وكلُّ مَن أَوْدَعَ حديثَ أُبَيٍّ المذكورَ تفسيرُه كالواحِدِيِّ والثعلَبِيِّ والزَّمَخْشَرِيِّ مُخطئٌ في ذلك لكنْ مَن أَبْرَزَ إسنادَه منهم كالثعْلَبِيِّ والواحِدِيِّ فهو أبْسَطُ لعُذْرِه إذ أَحالَ نَاظِرَه على الكشْفِ عن سَنَدِه، وإنْ كان لا يَجوزُ له السكوتُ عليه مِن غيرِ بيانِه كما تَقَدَّمَ وأَمَّا مَن لم يُبْرِزْ سَنَدَه وأَوْرَدَه بصِيغةِ الجزْمِ فخَطُؤُه أفْحَشُ كالزَّمَخْشَرِيِّ.
(235) وجَوَّزَ الوَضْعَ على الترغيبِ قومُ ابنِ كَرَّامٍ وفي الترهيبِ
ذكَرَ الإمامُ أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ منصورٍ السَّمْعَانِيُّ أنَّ بعضَ الكَرَّامِيَّةِ ذهَبَ إلى جَوازِ وضْعِ الحديثِ على النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، فيما لا يَتعلَّقُ به حكْمٌ مِن الثوابِ والعِقابِ؛ تَرغيبًا للناسِ في الطاعةِ وزَجْرًا لهم عن الْمَعصِيَةِ، واستَدَلُّوا بما روي في بعضِ طرُقِ الحديثِ: (( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا لِيُضِلَّ بِهِ النَّاسَ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) ).
وحَمَلَ بعضُهم حديثَ: (( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ ) )أيْ: قالَ: إنه ساحِرٌ أو مجنونٌ. وقالَ بعضُ الْمَخْذُولِينَ: إنما قالَ مَن كذَبَ عليَّ، ونحن نَكْذِبُ له ونُقَوِّي شَرْعَه!! نسألُ اللهَ السلامةَ مِن الْخُذلانِ.
وروى العُقيليُّ بإسنادِه إلى محمَّدِ بنِ سعيدٍ -كأنه المصلوبُ- قالَ: لا بأسَ إذا كانَ كلامٌ حسَنٌ أنْ نَضَعَ له إسنادًا.
وحكى القُرطبيُّ في (الْمُفْهِمِ) عن بعضِ أهلِ الرأيِ أنَّ ما وافَقَ القياسَ الْجَلِيَّ جازَ أنْ يُعْزَى إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ.
وروى ابنُ حِبَّانَ في مُقدِّمَةِ تاريخِ الضُّعفاءِ بإسنادِه إلى عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ الْمُقْرِي أنَّ رجُلًا مِن أهْلِ البِدَعِ رجَعَ عن بِدعتِه فجَعَلَ يقولُ: انْظُروا هذا الحديثَ عمَّن تَأخذونَه، فإنَّا كُنَّا إذا رَأينَا رَأْيًا جَعَلْنَا له حَديثًا.
(236) والواضِعونَ بعضُهم قد صَنَعَا مِن عِنْدِ نفْسِه وبعضٌ وَضَعَا
(237) كلامَ بعْضِ الْحُكَمَا في الْمُسْنَدِ ومنه نَوْعٌ وَضْعُه لم يُقْصَدِ
(238) نحوَ حديثِ ثابتٍ (مَن كَثُرَتْ صلاتُه) الحديثَ وَهْلَةٌ سَرَتْ
ثم الواضعونَ مِنهم مَن يَضَعُ كلامًا مِن عنْدِ نفْسِه ويَرويهِ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ ومنهم مَن يَأخذُ كلامَ بعضِ الْحُكماءِ أو بعضِ الزُّهادِ أو الإسرائيليَّاتِ فيَجعلُه حديثًا مثلَ حديثِ: (حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ) . فإنه إمَّا مِن كلامِ مالِكِ بنِ دِينارٍ، كما رواه ابنُ أبي الدُّنيا في كتابِ (مَكايِدِ الشيطانِ) بإسنادِه إليه، وإمَّا هو مَرْوِيٌّ مِن كلامِ عيسى ابنِ مريمَ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ كما رواه البَيهقيُّ في كتابِ (الزهدِ) ، ولا أصْلَ له مِن حديثِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ إلاَّ مِن مَراسيلِ الحسَنِ البَصريِّ كما رواه البَيهقيُّ في شعَبِ الإيمانِ في البابِ الحادي والسبعينَ منه، ومَراسيلُ الحسَنِ عندَهم شِبْهُ الريحِ.
وكالحديثِ الموضوعِ: (الْمَعِدَةُ بيتُ الداءِ والْحِمْيَةُ رأسُ الدواءِ) . فهذا مِن كلامِ بعضِ الأَطِبَّاءِ لا أصْلَ له عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ. ومِن أقسامِ الموضوعِ ما لم يُقْصَدْ وَضْعُه وإنما وَهِمَ فيه بعضُ الرُّواةِ.
وقالَ ابنُ الصلاحِ: إنه شِبْهُ الوضْعِ كحديثٍ رواه ابنُ ماجَهْ عن إسماعيلَ بنِ محمَّدٍ الطَّلْحِيِّ عن ثابتِ بنِ موسى الزاهدِ عن شَريكٍ عن الأعمَشِ عن أبى سُفيانَ عن جابِرٍ مرفوعًا: (( مَن كَثُرَتْ صلاتُه بالليلِ حَسُنَ وَجْهُه بالنهارِ ) ).
وقالَ أبو حاتمٍ الرازيُّ: كتَبْتُهُ عن ثابتٍ فذَكَرْتُه لابنِ نُمَيْرٍ فقالَ الشيخُ -يَعني ثابتًا-: لا بأسَ به والحديثُ مُنكرٌ. قالَ أبو حاتمٍ: والحديثُ موضوعٌ.
وقالَ الحاكِمُ: دخَلَ ثابتُ بنُ موسى على شَريكِ بنِ عبدِ اللهِ القاضِي والْمُسْتَمْلِي بينَ يَديهِ وشَريكٌ يقولُ: حَدَّثَنا الأعمَشُ عن أبي سُفيانَ عن جابِرٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ ولم يَذكُرِ الْمَتْنَ، فلمَّا نظَرَ إلى ثابتِ بنِ موسى قالَ: