وضَرْبٌ امْتُحِنُوا بأولادٍ لهم أو ورَّاقِينَ فوَضَعُوا لهم أحاديثَ ودَسُّوها عليهم، فحَدَّثُوا بها مِن غيرِ أنْ يَشعُرُوا كعبدِ اللهِ بنِ محمَّدِ بنِ رَبيعةَ القُدَّامِيِّ.
وضرْبٌ يَلجئونَ إلى إقامةِ دليلٍ على ما أَفْتَوْا به بآرائِهم فيَضعونَ كما نُقِلَ عن أبي الْخَطَّابِ بنِ دِحْيَةَ أنه ثَبَتَ عنه.
وضَرْبٌ يَقْلِبُونَ سَنَدَ الحديثِ ليُسْتَغْرَبَ فيُرْغَبَ في سماعِه منهم، وسيأتي ذلك بعدَ هذا في الْمَقلوبِ.
وضَرْبٌ يَتَدَيَّنُونَ بذلك لترغيبِ الناسِ في أفعالِ الخيرِ بزَعْمِهم، وهم مَنسوبونَ إلى الزهْدِ وهم أعْظَمُ الأصنافِ ضَرَرًا؛ لأنهم يَحتسبونَ بذلك ويَرَوْنَه قُربةً فلا يُمكِنُ تَرْكُهم لذلك، والناسُ يَثِقُونَ بهم ويَركنونَ إليهم لِمَا نُسِبُوا له مِن الزهْدِ والصلاحِ فيَنْقُلُونَها عنهم.
ولهذا قالَ يحيى بنُ سعيدٍ القَطَّانُ: ما رأيتُ الصالحينَ أكْذَبَ منهم في الحديثِ. يريدُ -واللهُ أعلَمُ- بذلك المنسوبينَ للصلاحِ بغيرِ عِلْمٍ يُفَرِّقُونَ به بينَ ما يَجوزُ لهم ويَمتنِعُ عليهم، يَدُلُّ على ذلك ما رواه ابنُ عَدِيٍّ والعُقَيْلِيُّ بسَنَدِهما الصحيحِ إليه أنه قالَ: ما رأيتُ الكذِبَ في أحَدٍ أكْثَرَ منه فيمن يُنْسَبُ إلى الخيرِ.
أو أرادَ أنَّ الصالحينَ عندَهم حُسْنُ ظَنٍّ وسلامةُ صَدْرٍ فيَحملونَ ما سَمِعُوه على الصدْقِ ولا يَهتدونَ لتمييزِ الخطأِ مِن الصوابِ، ولكنِ الوَاضِعُونَ مِمَّن يُنْسَبُ للصلاحِ وإنْ خَفِيَ حالُهم على كثيرٍ مِن الناسِ فإنه لم يَخْفَ على جَهابِذَةِ الحديثِ ونُقَّادِه فقَامُوا بأعباءِ ما حُمِّلُوا فتَحَمَّلُوه فكَشَفوا عَوَارَها ومَحَوْا عارَها، حتى لقد رُوِّينَا عن سُفيانَ قالَ: ما سَتَرَ اللهُ أحَدًا يَكْذِبُ في الحديثِ.
ورُوِّينَا عن عبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِيٍّ أنه قالَ: لو أنَّ رَجُلًا هَمَّ أنْ يَكْذِبَ في الحديثِ لأَسْقَطَه اللهُ. ورُوِّينَا عن ابنِ المبارَكِ قالَ: لو هَمَّ رجُلٌ في السَّحَرِ أنْ يَكْذِبَ في الحديثِ لأَصْبَحَ والناسُ يقولون: فُلانٌ كَذَّابٌ. ورُوِّينا عنه أنه قيلَ له: هذه الأحاديثُ المصنوعةُ؟ فقالَ: تعيشُ لها الْجَهابِذَةُ {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} . ورُوِّينَا عن القاسِمِ بنِ محمَّدٍ أنه قالَ: إنَّ اللهَ أَعاننا على الكَذَّابينَ بالنِّسيانِ.
ومِثالُ مَن كانَ يَضَعُ الحديثَ حِسبةً ما رُوِّينَاهُ عن أبي عِصمةَ نُوحِ بنِ أبي مريمَ الْمَرْوَزِيِّ قاضِي مَرْوٍ فيما رواهُ الحاكِمُ بسَنَدِه إلى أبي عَمَّارٍ الْمَرْوَزِيِّ أنه قيلَ لأبي عِصمةَ: مِن أينَ لك عن عِكرمةَ عن ابنِ عَبَّاسٍ في فضائلِ القرآنِ سُورةً سورةً، وليس عندَ أصحابِ عِكرمةَ هذا؟ فقالَ: إني رأيتُ الناسَ قد أعْرَضُوا عن القرآنِ واشْتَغَلُوا بفِقْهِ أبي حنيفةَ ومَغازِي محمَّدِ بنِ إسحاقَ فوَضَعْتُ هذا الحديثَ حِسبةً، وكان يُقالُ لأبي عِصمةَ هذا: نوحٌ الجامِعُ.
فقالَ أبو حاتمٍ بنُ حِبَّانَ: جَمَعَ كلَّ شيءٍ إلاَّ الصدْقَ.
وقالَ أبو عبدِ اللهِ الحاكِمُ: وضَعَ أحاديثَ فضائلِ القرآنِ، وروى ابنُ حِبَّانَ في مُقَدِّمَةِ (تاريخِ الضُّعفاءِ) عن ابنِ مَهْدِيٍّ قالَ: قُلتُ لِمَيْسَرَةَ بنِ عبدِ رَبِّه مِن أينَ جئتَ بهذه الأحاديثِ، مَن قَرَأ كذا فله كذا، قالَ: وضَعْتُها أُرَغِّبُ الناسَ فيها.
وهكذا حديثُ أبي الطَّوِيلِ في فضائلِ قراءةِ سُوَرِ القرآنِ سُورةً سورةً، فرُوِّينَا عن المؤمَّلِ بنِ إسماعيلَ قالَ: حدَّثَنِي شيخٌ به فقلتُ للشيخِ: مَن حدَّثَكَ به؟ فقالَ: حَدَّثَنِي رجُلٌ بالمدائِنِ وهو حَيٌّ. فصِرتُ إليه فقلتُ: مَن حدَّثَكَ؟ فقالَ: حدَّثَنِي شيخٌ بواسِطٍ وهو حَيٌّ. فَصِرْتُ إليه فقالَ: حَدَّثَنِي شيخٌ بالبصرةِ. فصِرتُ إليه، فقالَ: حدَّثَنِي شيخٌ بعَبادانَ. فصِرْتُ إليه فأَخَذَ بيَدِي فأَدْخَلَني بيتًا فإذا فيه قومٌ مِن الْمُتَصَوِّفَةِ ومعهم شيخٌ، فقالَ: هذا الشيخُ حَدَّثَنِي. فقلتُ: يا شيخُ مَن حَدَّثَك؟ فقالَ: لم يُحَدِّثْنِي أحَدٌ، ولكنا رأينا الناسَ قد رَغِبُوا عن القرآنِ فوَضَعْنَا لهم هذا الحديثَ ليَصْرِفوا قلوبَهم إلى القرآنِ.