فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 299

يكونُ الحامِلُ على ذلك كونَ الْمَرْوِيِّ عنه صغيرًا في السنِّ أو تأَخَّرَتْ وفاتُه وشارَكَه فيه مَن هو دونَه، وقد يكونُ الحامِلُ على ذلك إيهامَ كَثرةِ الشيوخِ بأنْ يَرْوِيَ عن الشيخِ الواحدِ في مَواضِعَ يُعَرِّفُه في موضِعٍ بصِفةٍ وفي مَوضِعٍ آخَرَ بصِفةٍ أُخرى يُوهِمُ أنه غيرُه، وممن يَفعلُ ذلك كثيرًا الخطيبُ فقد كانَ لَهِجًا به في تصانيفِه.

ولم يَذْكُر ابنُ الصلاحِ حُكمَ مَن عُرِفَ بهذا القِسمِ الثاني مِن التدليسِ، وقد جَزَمَ ابنُ الصباغِ في (العُدَّةِ) بأنَّ مَن فَعَلَ ذلك لكونِ مَن روى عنه غيرَ ثِقةٍ عندَ الناسِ، وإنما أَرادَ أنْ يُغَيِّرَ اسْمَه ليَقْبَلُوا خَبَرَه يَجِبُ أنْ لا يُقْبَلَ خبرُه، وإنْ كان هو يَعتقِدُ فيه الثقةَ فقد غَلَطَ في ذلك، لجوازِ أنْ يَعْرِفَ غيرُه مِن جَرْحِه ما لا يَعرفُه هو، وإنْ كانَ لصِغَرِ سِنِّه فيكونُ ذلك روايةً عن مجهولٍ لا يَجِبُ قَبولُ خَبَرِه حتى يُعرَفَ مَن روى عنه.

وقولُه: (واستصغارًا) منصوبٌ بكانَ المحذوفةِ أيْ: ويكونُ استصغارًا وإيهامًا للكثرةِ.

وقولُه: (وكالخطيبِ) أيْ: وكفِعْلِ الخطيبِ.

وقولُه: (والشافعِيُّ أَثْبَتَهُ) أيْ: أصْلَ التدليسِ لا هذا القِسْمَ الثاني منه، قالَ ابنُ الصَّلاحِ: والحكْمُ بأنه لا يُقْبَلُ مِن الْمُدَلِّسِ حتى يُبَيِّنَ قد أجْرَاهُ الشافعِيُّ رَضِيَ اللهُ عنه فيمن عَرَفْنَاه دَلَّسَ مَرَّةً، ومِمَّنْ حكاهُ عن الشافعِيِّ البَيهَقِيُّ في (الْمَدخَلِ) .

وقولُه: (قلتُ وشَرُّها أخو التَّسْوِيَةِ) هذا هو القِسمُ الثالثُ مِن أقسامِ التدليسِ الذي لم يَذْكُرْهُ ابنُ الصلاحِ، وهو تدليسُ التسويةِ، وصورتُه أنْ يَرْوِيَ حديثًا عن شيخٍ ثِقةٍ وذلك الثِّقةُ يَرويهِ عن ضَعيفٍ عن ثِقَةٍ، فيأتِيَ الْمُدَلِّسُ الذي سَمِعَ الحديثَ مِن الثِّقَةِ الأَوَّلِ فيُسقِطَ الضعيفَ الذي في السنَدِ، ويَجعلَ الحديثَ عن شيخِه الثِّقةِ عن الثِّقةِ الثاني بلفْظٍ مُحْتَمِلٍ فيَستوِي الإسنادُ كلُّه ثقاتٍ.

وهذا شَرُّ أقسامِ التدليسِ؛ لأنَّ الثِّقَةَ الأَوَّلَ قد لا يكونُ مَعروفًا بالتدليسِ ويَجِدُه الواقِفُ على السنَدِ كذلك بعدَ التسويةِ قد رواه عن ثِقةٍ آخَرَ فيَحْكُمُ له بالصحَّةِ، وفي هذا غرورٌ شديدٌ.

ومِمَّنْ نُقِلَ عنه أنه كانَ يَفعلُ كذلك بَقِيَّةُ بنُ الوليدِ والوليدُ بنُ مُسْلِمٍ أمَّا بقِيَّةُ فقالَ ابنُ أبي حاتمٍ في كتابِ العِلَلِ: سَمِعت أبي. وذَكَرَ الحديثَ الذي رواه إسحاقُ بنُ رَاهَوَيْهِ عن بَقيَّةَ حَدَّثَني أبو وَهْبٍ الأَسَدِيُّ عن نافِعٍ عن ابنِ عمرَ حديثَ: (( لاَ تَحْمَدُوا إِسْلاَمَ الْمَرْءِ حَتَّى تَعْرِفُوا عُقْدَةَ رَأْيِهِ ) ). فقالَ أبي: هذا الحديثُ له أمْرٌ قَلَّ مَن يَفهَمُه، روى هذا الحديثَ عُبيدُ اللهِ بنُ عمرٍو عن إسحاقَ بنِ أبي فَروةَ عن نافِعٍ عن ابنِ عمرَ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ.

وعُبيدُ اللهِ بنُ عمرٍو كُنيتُه أبو وَهْبٍ وهو أَسَدِيٌّ فكَنَّاهُ بَقيَّةُ ونَسَبَه إلى بني أسَدٍ كي لا يُفْطَنَ له حتى إذا تَرَكَ إسحاقَ بنَ أبي فَروةَ مِن الوَسَطِ لا يُهْتَدَى له، قالَ: وكان بَقِيَّةُ مِن أفْعَلِ الناسِ لهذا.

وأمَّا الوليدُ بنُ مُسلِمٍ فقالَ أبو مِسْهَرٍ: كان الوليدُ بنُ مسلِمٍ يُحَدِّثُ بأحاديثِ الأوزاعِيِّ عن الكذَّابِينَ ثم يُدَلِّسُها عنهم، وقالَ صالِحٌ جَزَرَةُ: سَمِعْتُ الهيثمَ بنَ خارجةَ يقولُ: قلتُ للوليدِ بنِ مُسلِمٍ: قد أفْسَدْتَ حديثَ الأوزاعِيِّ. قالَ: كيف؟ قلتُ: تَرْوِي عن الأوزاعِيِّ عن نافِعٍ، وعن الأوزاعِيِّ عن الزُّهْرِيِّ، وعن الأوزاعيِّ عن يحيى بنِ سعيدٍ، وغيرُك يُدخِلُ بينَ الأوزاعِيِّ وبينَ نافِعٍ عبدَ اللهَ بنَ عامِرٍ الأَسْلَمِيَّ، وبينَه وبينَ الزُّهْرِيِّ إبراهيمَ بنَ مُرَّةَ وقُرَّةَ، قالَ: أُنْبِلُ الأوزاعِيَّ أنْ يَرْوِيَ عن مِثلِ هؤلاءِ.

قلتُ: فإذا روى لا عن هؤلاءِ وهم ضُعفاءُ أحاديثَ مَناكيرَ فأَسْقَطْتَهم أنتَ وصَيَّرْتَها مِن روايةِ الأوزاعِيِّ عن الثِّقَاتِ ضَعُفَ الأوزاعِيُّ. فلم يَلتَفِتْ إلى قولِي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت