وقولُه: (واخْتُلِفَ في أَهْلِه) أيْ: في أهْلِ هذا القِسْمِ مِن التدليسِ وهم المعروفونَ به، فقيلَ: يُرَدُّ حديثُهم مُطْلَقًا سواءٌ بَيَّنُوا السماعَ أو لم يُبَيِّنُوا، وإنَّ التدليسَ نفْسَه جَرْحٌ، حكاهُ ابنُ الصلاحِ عن فريقٍ مِن أهْلِ الحديثِ والفُقهاءِ، وهو المرادُ بقولِه: (فالرَّدُّ مُطْلَقًا ثُقِفْ) أيْ: وُجِدَ عن بعضِهم، والصحيحُ كما قالَ ابنُ الصَّلاحِ التفصيلُ: فإنْ صَرَّحَ بالاتِّصالِ كقولِه: سَمِعْتُ، وحَدَّثَنا، وأنبأنا. فهو مَقبولٌ مُحْتَجٌّ به، وإنْ أتَى بلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ فحُكْمُه حُكْمُ المرسَلِ، وإلى هذا ذهَبَ الأكثرونَ كما حَكَيْتُه عنهم، ولم يَذكُرِ ابنُ الصلاحِ ذلك عن الأكثرينَ، وهذا مِن الزيادةِ عليه التي لم تُمَيَّزْ بقُلْتُ، ومِمَّنْ حكاهُ عن جُمهورِ أئِمَّةِ الحديثِ والفقهِ والأصولِ شَيْخُنا أبو سعيدٍ العَلائِيُّ في كتابِ (الْمَراسيلِ) وهو قولُ الشافِعِيِّ وعليِّ بنِ الْمَدِينِيِّ ويحيى بنِ مَعينٍ وغيرِهم.
وقد وَجَدْتُ في كلامِ بعضِهم أنَّ الْمُدَلِّسَ إذا لم يُصَرِّحْ بالتحديثِ لم يُقْبَلِ اتِّفاقًا، وقد حكاهُ البَيهَقِيُّ في الْمَدْخَلِ عن الشافعِيِّ وسائرِ أهْلِ العلْمِ بالحديثِ، وحكايةُ الاتفاقِ هنا غَلَطٌ أو محمولٌ على اتِّفاقِ مَن لا يَحْتَجُّ بالمرسَلِ.
أمَّا الذينَ يَحْتَجُّونَ بالمرسَلِ فيَحْتَجُّونَ به كما اقتضاهُ كلامُ ابنِ الصلاحِ على أنَّ بعضَ مَن يَحْتَجُّ بالمرسَلِ لا يَقْبَلُ عَنعنةَ المدَلِّسِ، فقد حكى الْخَطيبُ في (الكِفايةِ) أنَّ جُمهورَ مَن يَحْتَجُّ بالمرسَلِ يَقبَلُ خبرَ الْمُدَلِّسِ.
وقولُه: (وفي الصحيحِ إلخ) أيْ: وفي الصحيحينِ وغيرِهما مِن الكُتُبِ الصحيحةِ عِدَّةُ رُواةٍ مِن الْمُدَلِّسِينَ كالأعمَشِ وهُشَيْمِ بنِ بَشيرٍ وغيرِهما.
وقولُه: (وفَتِّشِ) أيْ: وفَتِّشْ في الصحيحِ تَجِدْ جماعةً منهم كقَتادةَ والسُّفْيَانَيْنِ وعبدِ الرزَّاقِ والوليدِ بنِ مُسلِمٍ وغيرِهم. وقالَ النَّوَوِيُّ: إنَّ ما في الصحيحينِ وغيرِهما مِن الكُتُبِ الصحيحةِ عن الْمُدَلِّسينَ بعنْ محمولٌ على ثُبوتِ سَمَاعِه مِن جِهةٍ أُخْرَى. وقالَ الحافِظُ أبو محمَّدٍ عبدُ الكريمِ الْحَلَبِيُّ في كتابِ (القدَحِ الْمُعَلَّى) قالَ أكثَرُ العُلماءِ: إنَّ الْمُعَنْعَنَاتِ التي في الصحيحينِ مُنَزَّلَةٌ بِمَنْزِلَةِ السَّمَاعِ.
(157) وذَمَّهُ شُعْبَةُ ذُو الرُّسوخِ ... ودُونَه التدليسُ للشيوخِ
(158) أنْ يَصِفَ الشيخَ بما لا يُعْرَفُ به وذا بِمَقْصِدٍ يَختلِفُ
(159) فشرُّهُ للضَّعْفِ واستصغارَا وكالخطيبِ يُوهِمُ استكثارَا
(160) والشافعِي أَثْبَتَهُ بِمَرَّةِ ... (قلتُ) وشَرُّها أخو التَّسوِيَةِ
أيْ: وذَمَّه شُعبةُ فبالَغَ في ذَمِّهِ وإلاَّ فقَدْ ذَمَّه أكْثَرُ العُلماءِ وهو مَكروهٌ جِدًّا. فرَوَى الشافعِيُّ عن شُعبةَ قالَ: التدليسُ أخو الكَذِبِ. وقال: لأَنْ أَزْنِيَ أَحَبُّ إليَّ مِن أنْ أُدَلِّسَ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ: وهذا مِن شُعبةَ إفراطٌ محمولٌ على المبالَغَةِ في الزجْرِ عنه والتنفيرِ.
وقولُه: (ودونَه التدليسُ للشيوخِ) أيْ: ودونَ القِسْمِ الأَوَّلِ، وهذا هو القِسْمُ الثاني مِن أقسامِ التدليسِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ: أمْرُه أخَفُّ منه، و (أنْ) في أوَّلِ البيتِ الثاني مَصدرِيَّةٌ، والجمْلَةُ في مَوْضِعِ رفْعٍ على أنه بيانٌ للتدليسِ المذكورِ أو خَبَرُ مُبتدأٍ محذوفٍ تقديرُه: وهو أنْ يَصِفَ الْمُدَلِّسُ شيخَه الذي سَمِعَ ذلك الحديثَ منه بوَصْفٍ لا يُعْرَفُ به مِن اسمٍ أو كُنيةٍ أو نِسبةٍ إلى قَبيلةٍ أو بَلَدٍ أو صَنعةٍ أو نحوَ ذلك، كي يُوعِرَ الطريقَ إلى مَعْرِفَةِ السامِعِ له، كقولِ أبي بكرِ بنِ مجاهِدٍ أحَدِ الأئمَّةِ القُرَّاءِ: حَدَّثَنا عبدُ اللهِ بنُ أبي عبدِ اللهِ، يُريدُ به عبدَ اللهِ بنَ أبي داوُدَ السِّجِسْتَانِيَّ ونحوِ ذلكَ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ: وفيه تَضييعٌ للمَرْوِيِّ عنه.
قلتُ: وللمَرْوِيِّ أيضًا بأنْ لا يُتَنَبَّهَ له فيَصيرَ بعضُ رُواتِه مجهولًا، ويَختلِفُ الحالُ في كراهةِ هذا القِسْمِ باختلافِ الْمَقْصِدِ الحامِلِ على ذلك، فشَرُّ ذلك إذا كان الحامِلُ على ذلك كوْنَ الْمَرْوِيِّ عنه ضعيفًا فيُدَلِّسُه حتى لا تَظهرَ روايتُه عن الضُّعفاءِ، وقد