فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 299

التَّدْلِيسُ

(153) تدليسُ الاسنادِ كمَنْ يُسْقِطُ مَنْ حَدَّثَهُ، ويَرْتَقِي بعَنْ وأَنّ

(154) وقالَ يُوهِمُ اتِّصالًا واخْتُلِفْ في أهْلِهِ فالرَّدُّ مُطْلَقًا ثُقِفْ

(155) والأكثرونَ قَبِلُوا ما صَرَّحَا ... ثقاتُهم بوَصْلِهِ وصُحِّحَا

(156) وفي الصحيحِ عِدَّةٌ كالأَعْمَشِ وكهُشَيْمٍ بَعْدَهُ وفَتِّشِ

التدليسُ على ثلاثةِ أقسامٍ ذَكَرَ ابنُ الصلاحِ منها قِسمينِ فقطْ:

(القِسمُ الأوَّلُ) تدليسُ الإسنادِ، وهو أنْ يُسْقِطَ اسمَ شيخِه الذي سَمِعَه منه، ويَرْتَقِيَ إلى شيخِ شَيْخِه أو مَن فَوْقَه فيُسْنِدَ ذلك إليه بلَفْظٍ لا يَقتضِي الاتِّصالَ بل بلَفْظٍ مُوهِمٍ له كقولِه: عن فُلانٍ، أو أنَّ فلانًا، أو قالَ فُلانٌ، مُوهِمًا بذلك أنه سضمِعَه مِمَّنْ رَواهُ عنه وإنما يكونُ تَدليسًا إذا كانَ الْمُدَلِّسُ قد عاصَرَ الْمَرْوِيَّ عنه أو لَقِيَهُ ولم يَسْمَعْ منه، أو سَمِعَ منه ولم يَسْمَعْ منه ذلك الحديثَ الذي دَلَّسَهُ عنه.

وقد فُهِمَ هذا الشرْطُ مِن قولِه: (يُوهِمُ اتِّصالًا) ، وإنما يَقَعُ الإيهامُ مع المعاصَرَةِ، وقد حَدَّهُ أبو الحسَنِ بنُ القَطَّانِ في كتابِه (بيانِ الوهْمِ والإيهامِ) بأنْ يَرْوِيَ عمَّنْ قد سَمِعَ منه ما لم يَسْمَعْ منه مِن غيرِ أنْ يَذْكُرَ أنه سَمِعَه منه، قالَ: والفرْقُ بينَه وبينَ الإرسالِ هو أنَّ الإرسالَ روايتُه عمَّنْ لم يَسْمَعْ منه، وقد سَبَقَ ابنَ القَطَّانِ إلى حَدِّه بذلك الحافظُ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عمرِو بنِ عبدِ الخالِقِ البَزَّارُ، ذكَرَ ذلك في جُزْءٍ له في مَعْرِفَةِ مَن يُتْرَكُ حديثُه أو يُقْبَلُ، أمَّا إذا روَى عمَّن لم يُدْرِكْهُ بلَفْظٍ موهِمٍ، فإنَّ ذلك ليس بتدليسٍ على الصحيحِ المشهورِ.

وحَكَى ابنُ عبدِ الْبَرِّ في (التمهيدِ) عن قومٍ أنه تدليسٌ، فجَعَلوا التدليسَ أنْ يُحَدِّثَ الرجُلُ عن الرجُلِ بما لم يَسْمَعْهُ منه بلفْظٍ لا يَقتضِي تَصريحًا بالسماعِ، وإلاَّ لكانَ كَذِبًا.

قالَ ابنُ عبدِ الْبَرِّ: وعلى هذا فما سَلِمَ مِن التدليسِ أحَدٌ لا مالِكٌ ولا غيرُه، فقولُه في البيتِ الثاني (وقالَ) معطوفٌ على قولِه: (بعَنْ وأَنَّ) أيْ بهذه الألفاظِ الثلاثةِ ونحوِها.

ومِثلُه أنْ يُسْقِطَ أداةَ الروايةِ ويُسَمِّيَ الشيخَ فقطْ فيقولَ: فلانٌ، وهذا يَفعلُه أهْلُ الحديثِ كثيرًا، قالَ عليُّ بنُ خَشْرَمٍ: كُنَّا عندَ ابنِ عُيَيْنَةَ فقالَ: الزُّهْرِيُّ. فقيلَ له: حَدَّثَكم الزُّهْرِيُّ؟ فسَكَتَ، ثم قالَ: الزُّهْرِيُّ. فقيلَ له: سَمِعْتَهُ مِن الزُّهْرِيِّ؟ فقالَ: لا، لم أَسْمَعْهُ مِن الزُّهْرِيِّ ولا ممن سَمِعَه مِن الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عبدُ الرزَّاقِ عن مَعمَرٍ عن الزُّهريِّ.

وقد مَثَّلَ ابنُ الصلاحِ للقِسْمِ الأَوَّلِ بهذا الْمِثالِ، ثم حَكَى الْخِلافَ فيمَن عُرِفَ بهذا، هل يُرَدُّ حديثُه مُطْلَقًا؟ أو ما لم يُصَرَّحْ فيه بالاتِّصالِ، واعلَمْ أنَّ ابنَ عبدِ الْبَرِّ قد حكى عن أئمَّةِ الحديثِ أنهم قالوا يُقْبَلُ تدليسُ ابنِ عُيينةَ؛ لأنه إذا وَقَفَ أحالَ على ابنِ جُريجٍ ومَعْمَرٍ ونَظَائرِهما، وهذا ما رَجَّحَه ابنُ حِبَّانَ، وقالَ: هذا شيءٌ ليس في الدنيا إلاَّ لسُفيانَ بنِ عُيَيْنَةَ، فإنه كان يُدَلِّسُ ولا يُدَلِّسُ إلاَّ عن ثِقةٍ مُتْقِنٍ، ولا يَكادُ يوجَدُ لابنِ عُيَيْنَةَ خبَرٌ دَلَّسَ فيه إلاَّ وقد بَيَّنَ سماعَه عن ثِقةٍ مِثْلِ ثِقتِه، ثم مَثَّلَ ذلك بِمَراسيلِ كِبارِ الصحابةِ، فإنهم لا يُرْسِلونَ إلاَّ عن صحابِيٍّ.

وقد سَبَقَ ابنَ عبدِ الْبَرِّ إلى ذلك الحافظانِ أبو بكرٍ البَزَّارُ وأبو الفتْحِ الأَزْدِيُّ، فقالَ البَزَّارُ في الجزءِ المذكورِ: إنَّ مَن كانَ يُدَلِّسُ عن الثِّقاتِ كان تَدْلِيسُه عندَ أهْلِ العلْمِ مَقبولًا. ثم قالَ: فمَن كانتْ هذه صِفَتُه وَجَبَ أنْ يكونَ حديثُه مَقبولًا، وإنْ كانَ مُدَلِّسًا، وهكذا رأيتُه في كلامِ أبي بكرٍ الصَّيْرَفِيِّ مِن الشافعيَّةِ في كتابِ (الدلائلِ) فقالَ: كلُّ مَن ظَهَرَ تَدليسُه عن غيرِ الثقاتِ لم يُقْبَلْ خَبَرُه حتى يقولَ: حَدَّثَني أو سَمِعْتُ. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت