وقولُ الصحابِيِّ: أُمِرْنَا بكذا، أو نُهِينَا عن كذا. كقولِ أمِّ عَطِيَّةَ:"أُمِرْنَا أنْ نُخْرِجَ في العِيدينِ العواتِقَ وذواتِ الْخُدورِ، وأُمِرَ الْحُيَّضُ أنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى المسلمينَ". وكقولِها أيضًا:"نُهِينَا عن اتِّباعِ الجنائِزِ ولم يُعْزَمْ عَلَيْنا". وكِلاَهما في الصحيحِ هو مِن نَوْعِ المرفوعِ والمسنَدِ عندَ أصحابِ الحديثِ وهو الصحيحُ، وقولُ أكثَرِ أهْلِ العلْمِ قالَه ابنُ الصلاحِ قالَ: لأنَّ مُطْلَقَ َذلك يَنْصَرِفُ بظاهِرِه إلى مَن إليه الأمْرُ والنهيُ، وهو رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ. قالَ: وخالَفَ في ذلك فريقٌ منهم أبو بكرٍ الإسماعيليُّ.
قلتُ: وجَزَمَ به أبو بكرٍ الصَّيْرَفِيُّ في (الدلائلِ) قالَ ابنُ الصَّلاحِ: وكذلك قولُ أَنَسٍ:"أُمِرَ بلالٌ أنْ يَشْفَعَ الأذانَ ويُوتِرَ الإقامةَ". قالَ: ولا فَرْقَ بينَ أنْ يقولَ ذلك في زَمَنِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أو بعدَه. انتهى.
أما إذا صَرَّحَ الصحابِيُّ بالأمْرِ كقولِه: أَمَرَنا رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ. فلا أعْلَمُ فيه خِلاَفًا إلاَّ ما حَكاهُ ابنُ الصَّبَّاغِ في (العُدَّةِ) عن داودَ وبعضِ الْمُتَكَلِّمِينَ: أنه لا يكونُ ذلك حُجَّةً حتى يُنْقَلَ لنا لفْظُه، وهذا ضعيفٌ مردودٌ إلاَّ أنْ يُرِيدُوا بكونِه لا يكونُ حُجَّةً أيْ: في الوُجوبِ، ويَدُلُّ على ذلك تعليلُه للقائلينَ بذلك بأنَّ مِن الناسِ مَن يقولُ: الْمَندوبُ مَأْمُورٌ به، ومِنهم مَن يقولُ: الْمُباحُ مأمورٌ به أيضًا. وإذا كان ذلك مُرَادَهم كانَ له وجهٌ، واللهُ أَعْلَمُ.
(107) وقولُه كنا نَرَى إنْ كانَ مَعْ عَصْرِ النبيِّ مِن قَبيلِ ما رَفَعْ
(108) وقيلَ لا أو لا فلا كذاكَ لَهْ وللخَطِيبِ (قُلتُ) لكنْ جَعَلَهْ
(109) مَرفوعًا الحاكمُ والرازِيُّ ابنُ الْخَطيبِ وهو القَوِيُّ
أيْ: وقولُ الصحابِيِّ: كُنَّا نَرَى كذا أو نَفعلُ كذا أو نقولُ كذا: ونحوِ ذلك إنْ كانَ مع تقييدِه بعَصْرِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- كقولِ جابرٍ:"كنا نَعْزِلُ على عهْدِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ". متَّفَقٌ عليه، وكقولِه:"كنَّا نَأكلُ لُحُومَ الْخَيْلِ على عهْدِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ". رواه النَّسائيُّ وابنُ ماجَهْ، فالذي قَطَعَ به الحاكِمُ وغيرُه مِن أهْلِ الحديثِ وغيرِهم: أنَّ ذلك مِن قَبيلِ المرفوعِ، وصَحَّحَهُ الأُصُولِيُّونَ الإمامُ فخَرُ الدِّينِ، والسيْفُ الآمِدِيُّ وأتْبَاعُهما.
قالَ ابنُ الصَّلاحِ: وهو الذي عليه الاعتمادُ؛ لأنَّ ظاهِرَ ذلك مُشْعِرٌ بأنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اطَّلَعَ على ذلك وقَرَّرَهم عليه، وتقريرُه أحَدُ وُجوهِ السُّنَنِ المرفوعةِ، فإنها أقوالُه وأفعالُه وتقريرُه وسُكوتُه عن الإنكارِ بعدَ اطِّلاَعِهِ.
قالَ: وبَلَغَنِي عن البَرْقَانِيِّ أنه سألَ الإسماعيليَّ عن ذلك فأَنْكَرَ كونَه مِن المرفوعِ.
قلتُ: أمَّا إذا كان في القِصَّةِ اطِّلاَعُهُ فحُكْمُه الرفْعُ إجماعًا كقولِ ابنِ عمرَ:"كنَّا نقولُ ورسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حَيٌّ: أفْضَلُ هذه الأُمَّةِ بعدَ نَبِيِّها أبو بكرٍ وعمرُ وعُثمانُ، ويَسمعُ ذلك رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ فلا يُنْكِرُه". رواه الطَّبرانِيُّ في (المعجَمِ الكبيرِ) والحديثُ في الصحيحِ لكن ليس فيه اطِّلاعُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ على ذلك بالتصريحِ.
وقولُه: (أو لاَ فلاَ) أيْ: وإنْ لم يَكُنْ مُقَيَّدًا بعصْرِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ فليس مِن قَبيلِ المرفوعِ.
وقولُه: (كذاك له) أيْ: هذا لابنِ الصلاحِ تَبَعًا للخَطيبِ فَجَزَما بأنه مِن َقبيلِ الموقوفِ.
وقولُه: قلتُ، إلى آخِرِ البيتِ الثالثِ مِن هذه الأبياتِ هو مِن الزوائدِ على ابنِ الصلاحِ، وهو أنَّ الحاكمَ والإمامَ فخْرَ الدِّينِ الرازيَّ جَعَلاهُ مِن قَبيلِ المرفوعِ ولو لم يُقَيِّدْهُ بعَهْدِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقالَ ابنُ الصَّبَّاغِ في (العُدَّةِ) : إنه الظاهِرُ. ومَثَّلَه بقولِ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها:"كانت اليدُ لا تُقْطَعُ في الشيءِ التافِهِ".
ومُقْتَضَى كلامِ البَيْضَاوِيِّ مُوافِقٌ لِمَا قالَه ابنُ الصلاحِ، ولكنَّ الإمامَ والسيفَ الآمِدِيَّ لم يُقَيِّدَا ذلك بعَهْدِه -صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ- وقالَ به أيضًا كثيرٌ مِن الفُقهاءِ كما قالَه النَّوَوِيُّ في (شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) قالَ: وهو قَوِيٌّ مِن حيثُ الْمَعْنَى.
(110) لكنْ حديثُ كان بابُ الْمُصْطَفَى يُقْرَعُ بالأَظْفَارِ مما وُقِفَا