وفي خُطبةِ الإلمامِ للشيخِ تَقِيِّ الدِّينِ: ولم أَدْعُ الأحاديثَ إليه الْجَفَلَى.
(83) والحكْمُ للإسنادِ بالصِّحَّةِ أو بالْحُسْنِ دونَ الْحُكْمِ للمَتْنِ رَأَوْا
(84) واقْبَلْهُ إنْ أَطْلَقَه مَن يُعْتَمَدْ ... ولم يُعَقِّبْهُ بضَعفٍ يُنْتَقَدْ
أيْ: ورَأَوُا الْحُكْمَ للإسنادِ بالصحَّةِ كقولِهم: هذا حديثٌ إسنادُه صَحيحٌ. دونَ قولِهم: هذا حديثٌ صحيحٌ. وكذلك حُكْمُهم على الإسنادِ بالحسَنِ كقولِهم: إسنادُه حَسَنٌ. دونَ قولِهم: حديثٌ حسَنٌ. لأنه قد يَصِحُّ الإسنادُ لثِقَةِ رجالِه، ولا يَصِحُّ الحديثُ لشُذوذٍ أو عِلَّةٍ.
قالَ ابنُ الصَّلاحِ: غَيْرَ أنَّ الْمُصَنِّفَ المعتَمَدَ منهم إذا اقْتَصَر على قولِه: إنه صحيحُ الإسنادِ. ولم يَذكُرْ له عِلَّةً ولم يَقْدَحْ فيه، فالظاهِرُ منه الْحُكْمُ له بأنه صحيحٌ في نفْسِه؛ لأنَّ عدَمَ العِلَّةِ والقادِحِ هو الأصْلُ والظاهِرُ.
قلتُ: وكذلك إنِ اقْتَصَرَ على قولِه: حَسَنُ الإسنادِ. ولم يُعَقِّبْهُ بضَعْفٍ فهو أيضًا محكومٌ له بالحسَنِ.
(85) واسْتُشْكِلَ الحُسْنُ مع الصِّحَّةِ فِي مَتْنٍ، فإنْ لفظًا يُرِدْ فقُلْ: صِفِ
(86) به الضعيفَ أو يُرِدْ ما يَختلِفْ سنَدُهُ فكيفَ إنْ فردٌ وُصِفْ.
أيْ: واسْتُشْكِلَ الجمْعُ بينَ الصحَّةِ والحسنِ في حديثٍ واحدٍ كقولِ التِّرمذيِّ وغيرِه: هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ. لأنَّ الحسَنَ قاصِرٌ عن الصحيحِ كما سَبَقَ، فكيف يَجتمِعُ إثباتُ المقصورِ ونَفْيُه في حديثٍ واحدٍ؟ وقد أجابَ ابنُ الصلاحِ بجوابٍ ثم جَوَّزَ جَوابًا آخَرَ، وضَعَّفَ الْجَوابَيْنِ ابنُ دَقيقِ العيدِ فمَزَجْتُ الجوابَيْنِ برَدِّهما، فقولُه: (فإنْ لَفْظًا يَرِدْ) أي: ابنُ الصلاحِ فإنه قالَ: إنه غيرُ مُسْتَنْكَرٍ أنْ يُرادَ بالحسَنِ معناه اللُّغَوِيُّ دونَ الاصْطِلاَحِيِّ.
قالَ ابنُ دَقيقِ العيدِ: ويَلْزَمُ عليه أنْ يُطْلَقَ على الحديثِ الموضوعِ إذا كان حسَنَ اللفْظِ أنه حسَنٌ.
وقولُه: (أو يَرِدْ ما يَختلِفْ سنَدُه) هذا هو الجوابُ الأَوَّلُ الذي أجابَ به ابنُ الصلاحِ أنَّ ذلك راجِعٌ إلى الإسنادِ بأنْ يكونَ له إسنادانِ: أحَدُهما صحيحٌ. والآخَرُ حَسَنٌ.
قالَ ابنُ دقيقِ العِيدِ: يُرَدُّ عليه الأحاديثُ التي قيلَ فيها حسَنٌ صحيحٌ مع أنه ليس لها إلاَّ مَخْرَجٌ واحدٌ، وفي كلامِ التِّرْمِذِيِّ في مَواضِعَ يقولُ: هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ لا نَعْرِفُه إلاَّ مِن هذا الوجْهِ. وهذا معنى قولِه: (فكيفَ إنْ فردٌ وُصِفْ) أيْ: فكيفَ إنْ وُصِفَ حديثٌ فَرْدٌ بأنه حسَنٌ صحيحٌ كحديثِ العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ عن أبيهِ عن أبي هُريرةَ: (( إِذَا بَقِيَ نِصْفُ شَعْبَانَ فَلاَ تَصُومُوا ) ). فقالَ فيه التِّرْمِذِيُّ: حسَنٌ صحيحٌ، لا نَعْرِفُه إلاَّ مِن هذا الوجْهِ على هذا اللفْظِ.