(87) ولأبِي الفتْحِ في الاقتراحِ ... أنَّ انفرادَ الحُسْنِ ذو اصطلاحِ
(88) وإنْ يكنْ صَحَّ فليس يَلْتَبِسْ كلُّ صحيحٍ حَسَنٌ لا يَنعكِسْ
(89) وأَوْرَدُوا ما صَحَّ مِن أَفرادِ ... حيثُ اشْتَرَطْنَا غيرَ ما اسنادِ
وهذا جوابٌ عن الاستشكالِ المذكورِ أجابَ به ابنُ دقيقِ العيدِ في كتابِ (الاقتراحِ) بعدَ رَدِّ الجوابَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، وحاصِلُه أنَّ الْحَسَنَ لا يُشْتَرَطُ فيه القُصورُ عن الصِّحَّةِ إلاَّ حيث انْفَرَدَ الحسَنُ، فيُرادُ بالحسَنِ حينئذٍ المعنَى الاصطلاحِيُّ، وأمَّا إن ارْتَفَعَ إلى درجةِ الصحَّةِ فالحُسْنُ حاصِلٌ لا مَحَالَةَ تَبَعًا للصِّحَّةِ؛ لأنَّ وُجودَ الدرجةِ العُليا وهي الحفْظُ والإتقانُ لا يُنَافِي وُجودَ الدنيا كالصدْقِ، فيَصِحُّ أنْ يُقالَ: حَسَنٌ باعتبارِ الصِّفَةِ الدُّنْيَا، صحيحٌ باعتبارِ الصفةِ العُليا.
قالَ: ويَلْزَمُ على هذا أنْ يكونَ كلُّ صحيحٍ حَسَنًا، ويُؤَيِّدُه قولُهم: حسَنٌ. في الأحاديثِ الصحيحةِ، وهذا موجودٌ في كلامِ الْمُتَقَدِّمِينَ، انتهى.
وقد تَقَدَّمَ أنَّ ابنَ الْمَوَّاقِ أيضًا قالَ: كلُّ صحيحٍ عندَ التِّرْمِذِيِّ حَسَنٌ، وليس كلُّ حسَنٍ صحيحًا.
وقولُه: (وأَوْرَدُوا) إلى آخِرِه. هذا إيرادٌ أوْرَدَه ابنُ سَيِّدِ الناسِ على ابنِ الْمَوَّاقِ فقالَ: قد بَقِيَ عليه أنِ اشْتَرَطَ في الحسَنِ أنْ يُرْوَى نحوُه مِن وَجْهٍ آخَرَ ولم يَشْتَرِطْ ذلك في الصحيحِ، فانْتَفَى أنْ يكونَ كلُّ صحيحٍ حَسَنًا. انتهى.
فعلى هذا، الأفرادُ الصحيحةُ ليستْ بِحَسَنَةٍ عندَ التِّرمِذِيِّ إذ يَشْتَرِطُ في الحسِنِ أنْ يُرْوَى مِن غيرِ وَجهٍ كحديثِ: (( الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) ). وحديثِ: (( السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ ) ). وحديثِ: (( نَهَى عَنْ بيْعِ الوَلاءِ وعن هِبَتِهِ ) ).
قلتُ: وجوابُ ما اعْتَرَضَ به أنَّ التِّرمِذِيَّ إنما يَشْتَرِطُ في الحسَنِ مَجيئَه مِن وَجْهٍ آخَرَ إذا لم يَبْلُغْ رُتبةَ الصحيحِ فإنْ بَلَغَها لم يَشْتَرِطْ ذلك، بدليلِ قولِه في مَوَاضِعَ: هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ غَريبٌ. فلَمَّا ارتَفَعَ إلى دَرجةِ الصحَّةِ أَثْبَتَ له الغَرابةَ باعتبارِ فَرْدِيَّتِه.