وقولُه: (حيثُ يَقولُ) أيْ: مُسْلِمٌ، وكذا قولُه: (فاحتاجَ) أيْ مسلِمٌ.
وقولُه: (فإنه) أيْ: يَزيدَ بنَ أبي زيادٍ، ونحوَه.
وقولُه: (هَلاَّ قَضَى) أي: ابنُ الصلاحِ.
وقولُه: (عليه) أيْ على كِتابِ أبي داوُدَ.
(75) والبَغَوِي إذ قَسَّمَ الْمَصَابِحَا إلى الصِّحاحِ والْحِسانِ جَانِحَا
(76) أنَّ الْحِسَانَ ما رَوَوْهُ في السُّنَنْ رُدَّ عليه إذ بها غيرُ الْحَسَنْ.
أيْ: والبَغَوِيُّ رُدَّ عليه في تَسميتِه في كتابِ (الْمَصابيحِ) ما رواه أصحابُ السُّنَنِ الْحِسانَ، إذ في السُّنَنِ غيرُ الْحَسَنِ مِن الضعيفِ والصحيحِ، إنْ قُلْنَا الحسَنُ ليس أَعَمَّ مِن الصحيحِ كما سيَأْتِي في بَقِيَّةِ الفَصْلِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ: هذا اصطلاحٌ لا يُعْرَفُ، وليس الحسَنُ عندَ أهْلِ الحديثِ عِبارةً عن ذلك، واللهُ أعلَمُ.
(77) كان أبو داودَ أَقْوَى ما وَجَدْ يَرويهِ، والضعيفَ حيث لا يَجِدْ
(78) في البابِ غيرَه فذاك، عندَهْ ... مِن رأيٍ اقْوَى قالَه ابنُ مَنْدَهْ
(79) والنَّسائِي يُخْرِجُ مَن لم يُجْمِعُوا عليه تَرْكًا، مَذْهَبٌ مُتَّسِعُ
هذا بيانٌ لكونِ السُّنَنِ فيها غيرُ الْحَسَنِ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ (رُوِّينَا عنه) أيْ: عن أبي داوُدَ ما معناه أنه يَذْكُرُ في كلِّ بابٍ أَصَحَّ ما عَرَفَه في ذلك البابِ. وقالَ أبو عبدِ اللهِ بنُ مَنْدَهْ عنه: إنه يُخَرِّجُ الإسنادَ الضعيفَ إذا لم يَجِدْ في البابِ غيرَه؛ لأنه أقوى عندَه مِن رَأْيِ الرجالِ. وقالَ ابنُ مَنْدَهْ: إنه سَمِعَ محمَّدَ بنَ سَعْدٍ الباورديَّ بِمِصْرَ يقولُ: كانَ مِن مَذْهَبِ أبى عبدِ الرحمنِ النَّسائِيِّ أنْ يُخَرِّجَ عن كلِّ مَن لم يُجْمَعْ على تَرْكِه. فقولُه: (والضعيفَ) أيْ: ويَرْوِي الضعيفَ.
وقولُه: (مَذْهَبٌ مُتَّسِعُ) خبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ محذوفٍ.
(80) ومَن عليها أَطْلَقَ الصَّحِيحَا فقد أتى تَسَاهُلًا صَريحَا
أيْ: ومَن أَطْلَقَ الصحيحَ على كُتُبِ السُّنَنِ فقد تَسَاهَلَ، كأبِي طاهِرٍ السِّلَفِيِّ حيثُ قالَ في الكتُبِ الخمْسَةِ: اتَّفَقَ على صِحَّتِها علماءُ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ، وكأبي عبدِ اللهِ الحاكِمِ حيث أَطْلَقَ على التِّرمِذِيِّ الجامعَ الصحيحَ. وكذلك الْخَطيبُ أطْلَقَ عليه وعلى النَّسائِيِّ اسمَ الصحيحَ.
(81) ودُونَها في رُتبةٍ ما جُعِلاَ ... على الْمَسانيدِ فيُدْعَى الْجَفَلاَ
(82) كمُسْنَدِ الطَّيَالِسِي وأَحْمَدَا ... وعَدَّه للدارِمِيِّ انْتُقِدَا
أيْ: ودونَ السُّنَنِ في رُتبةِ الصِّحَّةِ ما صُنِّفَ على الْمَسانيدِ، وهو ما أُفْرِدَ فيه حديثُ كلِّ صَحَابِيٍّ على حِدَةٍ مِن غيرِ نَظَرٍ للأبوابِ، كمُسْنَدِ أبي داوُدَ الطَّيالِسِيِّ، ويقالُ: إنه أوَّلُ مُسْنَدٍ صُنِّفَ، وكمُسْنَدِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، وأبي بكرِ بنِ أبي شَيبةَ وأبي بكرٍ البَزَّارِ، وأبي القاسمِ البَغَوِيِّ، وغيرِهم، وقد عَدَّ منها ابنُ الصلاحِ مُسْنَدَ الدارِمِيِّ فوَهِمَ في ذلك؛ لأنه مُرَتَّبٌ على الأبوابِ لا على الْمَسانيدِ، وأَشَرْتُ لذلك بقولِي (وعَدَّهُ) أي: ابنُ الصلاحِ.
وقولُه: (فيُدْعَى الْجَفَلاَ) كَنَّى به عن كونِ الْمَسانيدِ دُونَ السُّنَنِ في مَرْتَبَةِ الصحَّةِ؛ لأنَّ مَن جَمَعَ مُسْنَدًا لصَحَابِيٍّ يَجمعُ فيه ما يَقَعُ له مِن حديثِه سواءٌ كانَ صالحًا للاحتجاجِ أمْ لا، والْجَفَلَى بفَتْحِ الجيمِ والفاءِ معًا مقصورٌ وهي الدعوةُ العامَّةُ للطعامِ، فإنَّ الدعوةَ عندَ العرَبِ على قِسمينِ: الْجَفَلَى وهي العامَّةُ. والنَّقَرَى وهي الخاصَّةُ. قالَ طَرَفَةُ:
نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى لاَ تَرَى الْآدِبَ فِينَا يَنْتَقِرْ