وقد اعْتَرَضَ أبو عبدِ اللهِ محمَّدُ بنُ عمرَ بنِ محمَّدٍ الفِهْرِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ المعروفُ بابنِ رُشَيْدٍ على كلامِ ابنِ الصلاحِ بأنْ قالَ: ليس يَلْزَمُ أنْ يُستفادَ مِن كَوْنِ الحديثِ لم يَنُصَّ عليه أبو داودَ بضَعْفٍ، ولا نَصَّ عليه غيرُه بصِحَّةٍ أنَّ الحديثَ عندَ أبي داوُدَ حسَنٌ إذ قد يكونُ عِنْدَه صَحيحًا وإنْ لم يكُنْ عندَ غَيْرِه كذلك. قالَ أبو الفتْحِ اليَعْمُرِيُّ: وهذا تَعَقُّبٌ حَسَنٌ. انتهى.
وهذا معنى قولِه: (وهُوَ مُتَّجِهْ) وهي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، ومعمولُ القولِ (قد يَبْلُغُ) إلى آخِرِه، وقدْ يُجابُ عن اعتراضِ ابنِ رُشَيْدٍ بأنَّ ابنَ الصلاحِ إنما ذَكَرَ ما لنا أنْ نَعْرِفَ الحديثَ به عندَه، والاحتياطُ أنْ لا يُرْتَفَعَ به إلى دَرجةِ الصحَّةِ وإنْ جازَ أنْ يَبْلُغَها عندَ أبي داودَ؛ لأنَّ عِبارتَه: فهو صالِحٌ أيْ للاحتجاجِ به، فإنْ كان أبو داودَ يَرى الحسَنَ رُتْبَةً بينَ الصحيحِ والضعيفِ، فالاحتياطُ ما قالَه ابنُ الصلاحِ وإنْ كانَ رَأْيُه كالْمُتَقَدِّمِينَ: أنه يَنقسِمُ إلى صحيحٍ وضعيفٍ، فما سَكَتَ عنه فهو صحيحٌ، والاحتياطُ أنْ يُقالَ: صالِحٌ. كما عَبَّرَ هو عن نفْسِه.
(70) وللإمامِ اليَعمريِّ إنما ... قولُ أبي داودَ يَحْكِي مُسْلِمَا
(71) حيث يقولُ جُملةُ الصحيحِ لا تُوجَدُ عند مالِكٍ والنُّبَلاَ
(72) فاحتَاجَ أنْ يَنْزِلَ في الإسنادِ إلى يَزيدَ بنِ أبي زِيادِ
(73) ونحوِه وإنْ يَكُنْ ذو السَّبْقِ ... قد فاتَه أْدَرَك باسمِ الصدْقِ
(74) هلاَّ قَضَى على كتابِ مسْلِمِ بما قَضَى عليه بالتحكُّمِ
أيْ: وللإمامِ أبي الفتْحِ محمَّدِ بنِ محمَّدِ بنِ سَيِّدِ الناسِ اليَعْمُرِيِّ تَعَقُّبٌ على كلامِ ابنِ الصلاحِ فقالَ في (شرْحِ التِّرمِذِيِّ) : لم [؟؟] يَرْسِمْ أبو داوُدَ شيئًا بالحسَنِ، وعَمَلُه في ذلك شَبِيهٌ بعمَلِ مسلِمٍ الذي لا يَنبغِي أنْ يُحْمَلَ كلامُه على غيرِه أنه اجْتَنَبَ الضعيفَ الواهِيَ، وأتى بالقِسْمَيْنِ الأوَّلِ والثاني، وحديثُ مَن مَثَّلَ به مِن الرُّواةِ مِن القِسمينِ الأوَّلِ والثاني موجودٌ في كتابِه دونَ القِسْمِ الثالِثِ.
قالَ: فهَلاَّ أَلْزَمَ الشيخُ أبو عمرٍو مُسْلِمًا مِن ذلك ما أَلْزَمَ به أبا داودَ؟ فمعنى كَلاَمِهما واحدٌ. وقولُ أبي دَاوُدَ (وما يُشْبِهُهُ) يَعنِي في الصحَّةِ (وما يُقَارِبُهْ) يَعْنِي فيها أيضًا، قالَ: وهو نحوُ قولِ مسلِمٍ إنه ليس كلُّ الصحيحِ تَجِدُه عندَ مالِكٍ، وشُعبةَ، وسُفيانَ.
فاحتاجَ أنْ يَنْزِلَ إلى مِثْلِ حديثِ ليثِ بنِ أبي سُليمٍ، وعطاءِ بنِ السائبِ ويَزيدَ بنِ أبي زِيادٍ لِمَا يَشْمَلُ الكُلَّ مِن اسمِ العدالةِ والصدْقِ، وإن تَفَاوَتُوا في الحفْظِ والإتقانِ، ولا فَرْقَ بينَ الطريقينِ غيرَ أنَّ مُسْلِمًا شَرَطَ الصحيحَ فتَحَرَّجَ مِن حديثِ الطَّبَقَةِ الثالثةِ، وأبا داودَ لم يَشْتَرِطْهُ فذكَرَ ما يَشْتَدُّ وَهْنُه عندَه والْتَزَمَ البيانَ عنه.
قالَ: وفي قولِ أبي داودَ: إنَّ بعضَها أصَحُّ مِن بعْضٍ. ما يُشيرُ إلى القدْرِ المشترَكِ بينَها مِن الصحَّةِ وإنْ تَفَاوَتَتْ فيه لِمَا تَقتضِيهِ صِيغَةُ أفْعَلَ في الأكثَرِ. انتهى.
والجوابُ عمَّا اعْتَرَضَ به ابنُ سَيِّدِ الناسِ: أنَّ مُسْلِمًا التَزَمَ الصِّحَّةَ في كتابِه، فليس لنا أنْ نَحْكُمَ على حديثٍ خَرَّجَه فيه بأنه حَسَنٌ عِنْدَه لِمَا تَقَدَّمَ مِن قُصورِ الْحَسَنِ عن الصحيحِ.
وأبو داودَ قالَ: إنَّ ما سَكَتَ عنه فهو صالِحٌ، والصالِحُ قد يكونُ صَحيحًا، وقد يكونُ حَسَنًا عندَ مَن يَرَى الحسَنَ رُتْبَةً دونَ الصحيحِ، ولم يُنْقَلْ لنا عن أبي داودَ هل يقولُ بذلك أو يَرَى ما ليس بضَعيفٍ صحيحًا؟ فكانَ الاحتياطُ أنْ لا نَرْتَفِعَ بما سَكَتَ عنه إلى الصِّحَّةِ حتى نَعلَمَ أنَّ رَأْيَه هو الثاني ويَحتاجُ إلى نَقْلٍ.
وقولُه: (يَحْكِي مُسْلِمًا) أيْ: يُشْبِهُ قَوْلَ مُسْلِمٍ.