(62) والحسَنُ المشهورُ بالعدالَهْ ... والصِّدْقِ رَاوِيهِ إذا أتَى لَهْ
(63) طرُقٌ أُخْرَى نحوُها مِن الطُّرُقْ صَحَّحْتَهُ كمتنِ لولا أنْ أَشُقّ
(64) إذ تابَعُوا مُحَمَّدَ بنَ عَمْرِو ... عليه فارْتَقَى الصحيحَ يَجْرِي
قولُه: (المشهورُ) صِفةٌ للحَسَنِ لا خَبَرٌ له، والشرْطُ وجوابُه في مَوْضِعِ الخبَرِ أيْ: والحسَنُ الذي رَاوِيهِ مشهورٌ بالصدْقِ والعَدالةِ إذا أتَتْ له طُرُقٌ أُخرى حَكَمَتْ بِصِحَّتِه كحديثِ محمَّدِ بنِ عمرٍو عن أبي سَلمةَ عن أبي هُريرةَ أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ قالَ: (( لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ ) ).
قالَ ابنُ الصَّلاحِ: محمَّدُ بنُ عمرِو بنِ عَلقمةَ مِن المشهورينَ بالصدْقِ والصيانةِ، لكنه لم يكنْ مِن أهْلِ الإتقانِ حتى ضَعَّفَه بعضُهم مِن جِهةِ سُوءِ حِفْظِه، ووَثَّقَه بعضُهم لصِدْقِه وجَلالتِه، فحديثُه مِن هذه الْجِهةِ حَسَنٌ، فلَمَّا انْضَمَّ إلى ذلك كونُه رُوِيَ مِن أَوْجُهٍ أُخَرَ زالَ بذلك ما كُنَّا نَخشاهُ عليه مِن جِهةِ سُوءِ حِفْظِه، وانْجَبَرَ به ذلك النقْصُ اليَسيرُ فصَحَّ هذا الإسنادُ والْتَحَقَ بدرجةِ الصحيحِ.
وقد أَخَذَ ابنُ الصلاحِ كلامَه هذا مِن التِّرْمِذِيِّ فإنه قالَ بعدَ أنْ أَخْرَجَه مِن هذا الوجهِ: حديثُ أبي سَلَمَةَ عن أبي هُريرةَ عندي صحيحٌ، ثم قالَ: وحديثُ أبي هُريرةَ إنما صَحَّ لأنه قد رُوِيَ مِن غيرِ وجهٍ.
وقولُه: (إذ تابَعُوا مُحَمَّدَ بنَ عَمْرِو) ذكَرَهُ بعدَ قولِه: (كَمَتْنِ لَوْلاَ أنْ أَشُقَّ) ليُعْلَمَ أنَّ التمثيلَ ليس لِمُطْلَقِ هذا الحديثِ، ولكنْ بقَيْدِ كونِه مِن رِوايةِ محمَّدِ بنِ عمرٍو، ولستُ أُريدُ بالمتابَعَةِ كونَه رَوَاهُ عن أبي سَلمةَ عن أبي هُريرةَ غيرُ محمَّدِ بنِ عمرٍو، ولكنْ مُتابَعَةَ شيخِه أبي سلَمَةَ عليه عن أبي هُريرةَ، فقد تابَعَ أبا سَلمةَ عليه عن أبي هُريرةَ عبدُ الرحمنِ بنُ هُرْمُزٍ الأعرَجُ، وسعيدٌ الْمَقْبُرِيُّ وأبوه أبو سعيدٍ وعطاءٌ مَوْلَى أمِّ حَبيبةَ وحُمَيْدُ بنُ عبدِ الرحمنِ وأبو زُرعةَ بنُ عمرِو بنِ جَريرٍ، وهو متَّفَقٌ عليه مِن طريقِ الأعرَجِ، والمتابَعَةُ قد يُرادُ بها متابَعَةُ الشيخِ وقد يُرادُ بها متابَعَةُ شيخِ الشيخِ كما سيَأْتِي الكلامُ عليه في فصْلِ الْمُتابعاتِ والشواهِدِ.
(65) وقالَ مِن مَظِنَّةٍ للحَسَنِ ... جَمْعُ أبي داودَ أيْ في السُّنَنِ
(66) فإنه قالَ ذَكَرْتُ فيه ... ما صَحَّ أو قارَبَ أو يَحكيهِ
(67) وما به وَهْنٌ شديدٌ قُلْتُهُ ... وحيث لا، فصالِحٌ خَرَّجْتُهُ.
(68) فما به ولم يُصَحَّحْ وسَكَتْ عليه عندَه له الْحُسْنُ ثَبَتْ
(69) وابنُ رُشَيْدٍ قالَ وهو مُتَّجِهْ قد يَبْلُغُ الصحَّةَ عندَ مُخْرِجِهْ
أيْ: قالَ ابنُ الصَّلاحِ: (ومِن مَظَانِّهِ) أي الحسَنِ (سُنَنُ) أبي داوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ رَحِمَه اللهُ تعالى رُوِّينَا عنه أنه قالَ: ذَكَرْتُ فيه الصحيحَ وما يُشْبِهُه وما يُقارِبُه. قالَ: ورُوِّينَا عنه أيضًا ما معناه أنه يَذْكُرُ في كلِّ بابٍ أصَحَّ ما عَرَفَه في ذلك البابِ، وقالَ: ما كانَ في كتابِي مِن حديثٍ فيه وَهْنٌ شديدٌ فقد بَيَّنْتُه وما لم أَذْكُرْ فيه شَيْئًا فهو صالِحٌ وبعضُها أصَحُّ مِن بَعْضٍ.
قالَ ابنُ الصَّلاحِ: فعلى هذا ما وَجدناهُ في كتابِه مَذكورًا مُطْلَقًا، وليس في واحدٍ مِن الصحيحينِ ولا نَصَّ على صِحَّتِه أحَدٌ مِمَّن يُمَيِّزُ بينَ الصحيحِ والحسَنِ عَرَّفْنَاهُ بأنه مِن الحسَنِ عندَ أبي داوُدَ، وقد يكونُ في ذلك ما ليس بِحَسَنٍ عندَ غَيْرِه، ولا مُنْدَرِجًا فيما حَقَّقْنَا ضَبْطَ الحسَنِ به. ثم ذَكَرَ كلامَ ابنِ مَنْدَهْ في شَرْطِ أبي داودَ والنَّسائيِّ وقد ذَكَرْتُه بعدَ هذا بسَبْعَةِ أبياتٍ.