163]، وقالَ تَعَالَى: {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ} [النحل: 51] ، وقَالَ تَعَالَى {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنونَ: 117] ، وقَالَ تَعَالَى: {وَاسْأَلْ مَن أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45] ، وأَخْبَرَ عَن كلِّ نَبِيٍّ مِن الأنبياءِ أَنَّهُم دَعَوا النَّاسَ إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحدَهُ لَا شَرِيكَ لهُ، وقالَ: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [المُمْتَحِنَة: 4] ، وقالَ عَن المُشْرِكِينَ: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} [الصافَّات: 35 - 36] ، وهذا في القرآنِ كَثِيرٌ.
ولَيْسَ المُرَادُ بالتوحيدِ مُجَرَّدَ توحيدِ الرُّبُوبيَّةِ، وهوَ اعتقادُ أنَّ اللَّهَ وحْدَهُ خَلَقَ العالَمَ، كَمَا يَظُنُّ ذلكَ مَنْ يَظُنُّهُ مِنْ أَهْلِ الكَلَامِ والتَّصوُّفِ. ويَظُنُّ هؤلاءِ أَنَّهُم إذا أَثْبَتُوا ذلكَ بالدَّليِلِ فقدْ أَثْبَتُوا غَايَةَ التوحيدِ، وأَنَّهُم إذا شَهِدُوا هذا وفَنُوا فيهِ، فَقَدْ فَنُوا في غَايَةِ التَّوْحيدِ؛ فإنَّ الرَّجُلَ لوْ أَقَرَّ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ تَعَالَى مِن الصِّفاتِ، ونزَّهَهُ عَن كلِّ ما يَتَنَزَّهُ عنهُ، وأقرَّ بأَنَّهُ وحدَهُ خَالِقُ كلِّ شيءٍ، لم يكُنْ مُوَحِّدًا حتَّى يَشْهَدَ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحدَهُ. فَيُقِرُّ بأنَّ اللَّهَ هوَ الإلَهُ المُسْتَحِقُّ للعِبادَةِ، ويَلْتَزِمُ بعِبَادَةِ اللَّهِ وحدَهُ لَا شَرِيكَ لهُ. و (الإلهُ) هوَ المأْلُوهُ المَعْبودُ الذي يَسْتَحِقُّ العبادةَ، ولَيْسَ هوَ الإلهَ بِمَعْنَى القادرِ عَلَى الخَلْقِ. فإذا فَسَّرَ المُفَسِّرُ (الإلهَ) بمعنَى القادرِ عَلَى الاخْتِرَاعِ، واعْتَقَدَ أنَّ هذا المعْنَى هوَ أخصُّ وَصْفِ الإلهِ، وجَعَلَ إثباتَ هذا هوَ الغايةَ في التوحيدِ، كَمَا يَفْعَلُ ذلكَ مَنْ يَفْعَلُهُ مِنْ مُتَكَلِّمَةِ الصِّفَاتِيَّةِ، وهوَ الذي يقولونَه عنْ أبي الحَسَنِ وأتْباعِهِ، لَمْ يَعْرِفْ حقيقةَ التوحيدِ الذي بَعَثَ اللَّهُ بهِ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فإنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ كانُوا مُقِرِّينَ بأنَّ اللَّهَ وحدَهُ خَالِقُ كلِّ شيءٍ، وكانوا معَ هذا مُشْرِكِينَ، قالَ تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106] . قالَ طَائِفَةٌ مِن السَّلَفِ: " تَسْأَلُهمْ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ؟ فيقولونَ: اللَّهُ. وهُمْ مَعَ هذا يَعْبُدونَ غَيْرَهُ "، قالَ تعالى: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} ، إلى قولِهِ: {فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنونَ: 84، 89] ، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أَقَرَّ بأنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَبُّ كلِّ شيءٍ وخَالِقُهُ يكونُ عابدًا لهُ دونَ مَا سِوَاهُ، داعيًا لهُ دونَ مَا سِوَاهُ، رَاجيًا لهُ خائفًا منهُ دونَ ما سِوَاهُ، يُوالِي فيهِ ويُعَادِي فيهِ، ويُطِيعُ رُسُلَهُ، ويَأْمُرُ بِمَا أَمَرَ بهِ ويَنْهَى عَمَّا نَهَى عنهُ، وعامَّةُ المُشْرِكِينَ أقرُّوا بأنَّ اللَّهَ خالقُ كلِّ شيءٍ، وأثْبَتوا الشُّفَعَاءَ الذينَ يُشْرِكُونَهم بهِ، وجَعَلُوا لهُ أنْدَادًا، قَالَ تَعَالَى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزُّمَر: 43،44] ، وقَالَ تَعَالَى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ} إلى قولِهِ: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18] ، وقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 94] ، وقَالَ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة: 165] .