فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 339

ولهذا كانَ مِنْ أتْباعِ هؤلاءِ مَنْ يَسْجُدُ للشَّمْسِ والقَمَرِ والكَوَاكِبِ ويَدْعُوها، ويَصُومُ وَيَنْسُكُ لها ويَتَقرَّبُ إليها، ثُمَّ يَقَولُ: إنَّ هذا ليسَ بِشِرْكٍ، إنَّما الشِّرْكُ إذا اعْتَقَدْتُ أَنَّها المُدَبِّرَةُ لِي، فإذا جَعَلْتُهَا سببًا وواسِطَةً لمْ أكُنْ مُشْرِكًا. ومِن المَعْلُومِ بالاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الإسلامِ أنَّ هذا شِرْكٌ. انتهى كَلَامُهُ رَحِمَه اللهُ تعالى.

(4) قال المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالى: وقولِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، بالجرِّ عَطْفٌ على التَّوْحيدِ. ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الابْتِدَاءِ. قَالَ شَيْخُ الإسلامِ: العبادةُ هيَ طَاعَةُ اللَّهِ بامْتثالِ ما أمَرَ اللَّهُ بهِ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ. وقَالَ أيضًا: العبادةُ اسمٌ جَامِعٌ لكلِّ ما يُحِبُّهُ اللَّهُ ويَرْضَاهُ مِن الأقوالِ والأعْمَالِ الظَّاهِرَةِ والباطِنَةِ.

قالَ ابنُ القَيَّمِ: ومَدَارُها عَلَى خَمْسَ عَشْرَةَ قَاعِدَةً، مَنْ كَمَّلَها كَمَّلَ مَراتِبَ العُبُودِيَّةِ.

وبيانُ ذلكَ: أنَّ العبادَةَ مُنْقَسِمَةٌ عَلَى القَلْبِ واللَّسانِ والجَوارِحِ. والْأَحْكَامُ التي للعُبُودِيَّةِ خَمْسَةٌ: واجِبٌ، ومُسْتَحَبٌّ، وحَرَامٌ ومَكْرُوهٌ، ومُبَاحٌ. وَهُنَّ لكلِّ واحِدٍ مِن القَلْبِ واللسانِ والجَوَارِحِ.

وقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَصْلُ العبادةِ التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ، وسُمِّيَتْ وَظَائِفُ الشَّرْعِ عَلَى المُكَلَّفِينَ عِبَادَاتٍ؛ لأَنَّهُم يَلْتَزِمُونَها ويَفْعَلُونَها خَاضِعِينَ متذَلِّلِينَ للَّهِ تَعَالَى.

ومَعْنَى الآيةِ: أنَّ اللَّهَ تعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ مَا خَلَقَ الجنَّ والإنسَ إلَّا لعبادَتِهِ، فهذا هوَ الحِكْمَةُ في خَلْقِهِم.

قُلْتُ: وهيَ الحِكْمَةُ الشَّرْعِيَّةُ الدِّينِيَّةُ.

قالَ الْعِمَادُ ابنُ كَثِيرٍ: وعبادَتُهُ هيَ طَاعَتُهُ بفِعْلِ المأمورِ وتَرْكِ المحظورِ. وذلكَ هوَ حَقِيقةُ دينِ الإسلامِ؛ لأنَّ مَعْنَى الإسلامِ الاستسلامُ للَّهِ تَعَالَى، المُتَضَمِّنُ غَايَةَ الانْقِيادِ والذُّلِّ والخُضُوعِ. انتهى.

وقالَ أيضًا في تفسيرِ هذهِ الآيةِ: ومَعْنَى الآيةِ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ ليَعْبُدُوهُ وحدَهُ لَا شَرِيكَ لهُ، فمَنْ أَطَاعَهُ جَازَاهُ أَتَمَّ الجَزَاءِ، ومَنْ عَصَاهُ عَذَّبَهُ أشدَّ العذابِ، وأخْبَرَ أَنَّهُ غيرُ مُحْتاجٍ إليهم، بلْ هم الفُقَرَاءُ إليه في جَمِيعِ أَحْوَالِهم، وهوَ خَالِقُهم ورَازِقُهم. قَالَ عَليُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الآيةِ: (إلَّا لِآمُرَهُم أنْ يَعْبُدُونِي وأَدْعُوَهُم إلى عِبَادَتِي) ، وقالَ مُجَاهِدٌ: (إلَّا لِآمُرَهُم وأنْهَاهُم) ، اختارَهُ الزَّجَّاجُ وشيخُ الإسلامِ. قالَ: ويَدُلُّ عَلَى هذا قولُهُ تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36] . قالَ الشافِعِيُّ: (لَا يُؤْمَرُ وَلا يُنْهَى) ، وقالَ في القرآنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ: {اعْبُدُوا رَبَّكُمْ} [البقرة: 21] ، {اتَّقُوا رَبَّكُمْ} ، فَقَدْ أمَرَهم بِمَا خُلِقُوا لَهُ، وأَرْسَلَ الرُّسُلَ بذلكَ. وهذا المَعْنَى هوَ الذي قُصِدَ بالآيةِ قطعًا؛ وهوَ الذي يَفْهَمُهُ جَمَاهِيرُ المُسْلِمينَ ويَحْتَجُّونَ بالآيةِ عَلَيْهِ.

قالَ: وهذهِ الآيةُ تُشْبِهُ قولَهُ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64] ، ثُمَّ قَدْ يُطَاعُ وقدْ يُعْصَى. وكذلكَ ما خَلَقَهم إلَّا لعبادتِهِ، ثمَّ قدْ يَعْبُدُونَ وقدْ لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت