فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 339

يَعْبُدُونَ. وهوَ سبحانَهُ لَمْ يَقُلْ: إِنَّهُ فَعَلَ الأَوَّلَ، وهوَ خَلْقُهُمْ، ليَفْعَلَ بهِم كُلِّهم الثَّانِيَ، وهوَ عبادَتُهُ، ولكنْ ذَكَرَ الأوَّلَ ليَفْعَلُوا هم الثانيَ، فيكونوا هُم الفَاعِلِينَ لهُ. فيَحْصُلُ لَهُم بفِعْلِهِ سَعَادَتُهم، ويَحْصُلُ ما يُحِبُّهُ ويَرْضَاهُ منهُ ولَهُم. انتهى.

ويَشْهدُ لهذا المَعْنَى: ما تَوَاتَرَتْ بهِ الأحاديثُ.

فمنها: مَا أَخَرَجَهُ مسلمٌ في صَحِيحِهِ عنْ أنسِ بنِ مَالكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: لَوْ كَانَتْ لَكَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ ما هوَ أَهْوَنُ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ؛ أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي - أَحْسَبُهُ قَالَ: وَلَا أُدْخِلُكَ النَّارَ - فَأَبَيْتَ إِلَّا الشِّرْكَ ) )، فهذا المُشْركُ قَدْ خالَفَ مَا أَرادَهُ اللَّهُ تعالى مِنْ تَوْحِيدِهِ وأنْ لا يُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، فَخَالَفَ مَا أرادَهُ اللَّهُ مِنْهُ فَأَشْرَكَ بِهِ غَيْرَهُ، وهَذِهِ هِيَ الإرادةُ الشَّرْعِيَّةُ الدِّينيَّةُ كَمَا تَقَدَّمَ.

فَبَيْنَ الإرادةِ الشَّرْعِيَّةِ الدينيَّةِ والإرادةِ الكونيَّةِ القَدَريَّةِ عُمُومٌ وخصوصٌ مُطْلَقٌ، يَجْتَمِعانِ في حقِّ المُخْلِصِ المُطِيعِ، وتَنْفَرِدُ الإرادةُ الكوْنِيَّةُ القَدَريَّةُ في حَقِّ العَاصِي، فافْهَمْ ذلكَ تَنْجُ مِنْ جَهَالَاتِ أَرْبَابِ الكَلَامِ وتابِعِيهِم.

(5) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالى: (وقوْلِه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] ، الطَّاغُوتُ مُشْتَقٌّ مِن الطُّغْيانِ، وهو مُجَاوَزَةُ الحدِّ. قالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:(الطاغوتُ: الشيطانُ) . وقالَ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (الطَّواغيتُ: كُهَّانٌ كانَتْ تَنْزِلُ عَلَيْهم الشياطينُ) ، رَوَاهُما ابنُ أَبِي حَاتِمٍ. وقَالَ مَالكٌ: (الطاغوتُ: كلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) . قَالَ الْعِمَادُ ابْنُ كَثِيرٍ: الطَّاغُوتُ: الشَّيْطانُ وما زَيَّنَهُ مِن عِبادةِ غَيْرِ اللهِ.

قُلْتُ: وذلكَ المذْكُورُ بعضُ أفرادِهِ، وقدْ حَدَّهُ العَلَّامَةُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَه اللهُ تَعالى حدًّا جامِعًا: الطاغوتُ: مَا تَجَاوَزَ بِهِ العَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أوْ مَتْبُوعٍ أوْ مُطَاعٍ. فَطَاغُوتُ كلِّ قَوْمٍ: مَنْ يَتَحاكَمُونَ إليهِ غَيرَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أوْ يَتَّبِعُونَهُ على غيرِ بصيرةٍ مِن اللَّهِ، أوْ يُطِيعُونَهُ فيما لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ طَاعَةٌ للَّهِ، فَهَذِهِ طواغيتُ العالَمِ؛ إذا تَأَمَّلْتَهَا وَتَأَمَّلْتَ أَحْوَالَ الناسِ مَعَها رَأَيْتَ أكثرَهُم أعْرَضَ عَن عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى إلى عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ، وعنْ طاعةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى طَاعَةِ الطاغوتِ ومُتابَعَتِهِ.

وأمَّا مَعْنَى الآيةِ: فأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ بَعَثَ في كُلِّ طائفةٍ من الناسِ رَسُولًا بهذِهِ الكلمةِ: {أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الْطَّاغُوتَ} ، أي: اعْبُدُوا اللَّهَ وحدَهُ واتْرُكُوا عِبَادَةَ ما سِوَاهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256] ، وهذا مَعْنَى (لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ) ؛ فإِنَّها هيَ العُرْوةُ الوُثْقَى.

قالَ العِمَادُ ابنُ كَثِيرٍ في هذهِ الآيةِ: وكُلُّهم يَدْعُو إلى عِبَادَةِ اللَّهِ، ويَنْهَى عنْ عِبَادَةِ ما سِوَاهُ، فلمْ يَزَلْ سُبْحَانَهُ يُرْسِلُ الرُّسُلَ بذلكَ منذُ حَدَثَ الشِّرْكُ في قَوْمِ نُوحٍ الذينَ أُرْسِلَ إليهمْ، وكانَ أوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلى أهلِ الأرْضِ إلى أنْ خَتَمَهُمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الذي طَبَّقَتْ دَعْوتُهُ الإنسَ والجنَّ في المشارقِ والمغاربِ، وكلُّهُم كَمَا قالَ اللَّهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت