تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] ، وقَالَ تَعَالَى في هذهِ الآيةِ الكَرِيمةِ: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الْطَّاغُوتَ} [النحل: 36] ، فكيفَ يَسُوغُ لأَحَدٍ مِن المُشْرِكِينَ بَعْدَ هذَا أنْ يقولَ: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} ، فَمَشِيئَةُ اللَّهِ تَعَالَى الشرعيَّةُ عنهم مَنْفِيَّةٌ؛ لأَنَّهُ نَهَاهُم عنْ ذلكَ على أَلْسُنِ رُسُلِهِ، وأمَّا مشيئتُهُ الكونيَّةُ، وهيَ تَمْكِينُهم مِنْ ذلكَ قَدَرًا، فَلَا حُجَّةَ لَهُم فيه؛ لأَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ النَّارَ وأَهْلَها مِن الشَّياطِينِ والكَفَرَةِ، وهوَ لَا يَرْضَى لعبادِهِ الكُفْرَ، ولهُ في ذلكَ حجَّةٌ بالِغَةٌ وحِكْمَةٌ قاطِعَةٌ، ولِهَذَا قالَ: {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} [النحل: 36] انتهى.
قُلْتُ: وهذهِ الآيةُ تُفَسِّرُ الآيةَ قَبْلَها، وذلكَ قولُهُ: {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} ، فَتَدَبَّرْ.
ودَلَّتْ هذهِ الآيةُ عَلَى أنَّ الحِكْمَةَ في إرْسالِ الرُّسُلِ دَعْوَتُهم أُمَمَهُم إلى عِبَادَةِ اللَّهِ وحدَهُ، والنَّهِيُ عنْ عِبَادَةِ ما سِوَاهُ، وأنَّ هذَا هوَ دينُ الأنبياءِ والمُرْسَلِينَ وإن اخْتَلَفَتْ شَرِيعَتُهم، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًَا} [المائدة: 48] ، وأَنَّهُ لَا بُدَّ في الإيمانِ مِنْ العَمَلِ من القَلْبِ والجَوَارِحِ.