وسَاقَ بِسَنَدِهِ عنْ أَبِي سَعِيدٍ، يَعْنِي الخُدْرِيَّ، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَالَ: الرَّحْمَنُ: رَحْمَنُ الآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، وَالرَّحِيمُ: رَحِيمُ الآخِرَةِ ) ).
قالَ ابنُ القيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: واسْمُهُ (اللَّهُ تعالى) داَلٌّ عَلَى كَونِهِ مَأْلُوهًا معبودًا، يأْلَهُهُ الخَلَائقُ مَحَبَّةً وتَعْظيمًا وخُضُوعًا، وَمَفْزَعًا إليهِ في الحَوائِجِ والنوائِبِ، وذلكَ مُسْتَلْزِمٌ لِكَمَالِ رُبوبيَّتِهِ ورَحْمتِهِ المُتَضَمِّنَتَيْنِ لكمالِ المُلْكِ والحَمْدِ، وإِلَهِيَّتُهُ ورُبوبيَّتُهُ ورَحْمانيَّتُهُ ومُلْكُهُ مُسْتَلْزِمٌ لجميعِ صفاتِ كمالِهِ؛ إذْ يَسْتَحِيلُ ثبوتُ ذلكَ لِمَنْ لَيْسَ بِحَيٍّ، ولَا سَمِيعٍ، ولَا بصيرٍ، ولا قادرٍ، ولا مُتَكَلِّمٍ، ولا فعَّالٍ لِمَا يُرِيدُ، ولا حكيمٍ في أقوالِهِ وأفعالِهِ. فصفاتُ الجلالِ والجمالِ أخصُّ باسمِ (اللَّهِ) ، وصِفَاتُ الفِعْلِ والقُدْرةِ والتفرُّدِ بالضُّرِّ والنَّفْعِ والعطاءِ والمَنْعِ ونفوذِ المشيئةِ وكمالِ القوَّةِ وتدبيرِ أَمْرِ الخَلِيقَةِ أَخَصُّ باسمِ (الرَّبِّ) ، وصِفاتُ الإحسانِ والجُودِ والبرِّ والحَنانِ والرَأْفَةِ واللُّطْفِ أَخَصُّ باسمِ (الرَّحْمَنِ) .
وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ أيضًا: (الرحمنُ) دالٌّ عَلَى الصِّفَةِ القائمةِ بهِ سُبْحانَهُ، (والرَّحِيمُ) دَالٌّ عَلَى تَعَلُّقِها بالمرحومِ. و إذا أَرَدْتَ فَهْمَ هذا فَتَأَمَّلْ قولَهُ تَعَالَى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43] ، {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 117] ولَمْ يَجِئْ قَطُّ رَحْمَنٌ بِهِم.
وقالَ: إنَّ أسماءَ الربِّ تَعَالَى هيَ أسماءٌ ونُعُوتٌ، فإنَّها دالَّةٌ على صفاتِ كَمَالِهِ، فَلَا تَنَافِيَ فيها بينَ العَلَمِيَّةِ والوَصْفِيَّةِ. فالرَّحْمَنُ اسْمُهُ تَعَالَى وَوَصْفُهُ، فَمِنْ حيْثُ هوَ صِفَةٌ جَرَى تَابِعًا لاسْمِ اللَّهِ، ومِنْ حيثُ هوَ اسمٌ وَرَدَ في القُرآنِ غَيرُ تابعٍ، بلْ وَرَدَ الاسمُ العلمُ، كقولِهِ تَعَالَى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.
(2) قال المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ: (الحَمْدُ لِلَّهِ) ، ومَعْناهُ: الثناءُ بالكَلَامِ عَلَى الجَمِيلِ عَلَى وجْهِ التعْظِيمِ. فَمَوْرِدُهُ: اللسانُ والقلبُ. والشُّكْرُ يكونُ باللسانِ والْجَنَانِ والأرْكَانِ. فهوَ أعمُّ مِن الحَمْدِ مُتعَلَّقًا، وأَخَصُّ سَبَبًا؛ لأَنَّهُ يَكُونُ في مُقَابَلَةِ النِّعْمَةِ، والحُمْدُ أعَمُّ سببًا وأَخَصُّ مَوْرِدًا؛ لأَنَّهُ يَكُونُ في مُقَابلَةِ النِّعْمَةِ وغَيْرِها، فبينَهُما عُمومٌ وخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ، يَجْتَمِعانِ في مَادَّةٍ، ويَنْفَرِدُ كلُّ واحدٍ عن الآخَرِ في مَادَّةٍ.
قال المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالى: (وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِه وَسَلَّمَ) ، أَصَحُّ مَا قِيلَ في مَعْنَى صلاةِ اللَّهِ عَلَى عبدِهِ ما ذَكَرَهُ البخاريُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عنْ أَبِي العَالِيَةِ قالَ: (صلاةُ اللَّهِ ثناؤُهُ عَلَيهِ عِندَ الْمَلائكَةِ) ، وقَرَّرَهُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى ونَصَرَهُ في كتابَيْهِ " جَلَاءِ الأفْهَامِ " و " بَدَائعِ الفَوَائِدِ ".
قُلْتُ: وقَدْ يُرَادُ بِها الدُّعاءُ، كما في المُسْندِ عنْ عليٍّ مَرْفوعًا: (( الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ ) ).
قولُهُ: (وَعَلَى آلِهِ) ، أيْ: أتْباعِهِ عَلَى دِينِهِ. نَصَّ عليهِ الإمامُ أحمدُ هنا، وعليهِ أكثرُ الأصحابِ. وعلى هذا فيَشْمَلُ الصَّحابةَ وغيرَهُمْ مِن المُؤْمِنينَ.
(3) قال المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالى: (كِتابُ التَّوْحِيدِ)