فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 339

فإنْ قالَ لنا قائلٌ: وما دلَّ على أنَّ الأُلوهيَّةَ هيَ العبادةُ، وأنَّ الإلهَ هوَ المعبودُ، وأنَّ لهُ أصْلًا في (فَعَلَ ويَفْعَلُ) ،قيل: لا تمانُعَ بينَ العربِ في الحكمِ، وذَكَرَ بيتَ رُؤْبَةَ بنِ العَجَّاجِ:

لِلَّهِ دَرُّ الغانِياتِ ا لْمُدَّهِ * ... سَبَّحْنَ وَاسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُّهِي

يَعْنِي: مِنْ تَعَبُّدِي وطَلَبِي اللَّهَ بعَمَلِي.

ولَا شَكَّ أنَّ التألُّهَ التَّفَعُّلُ، مِنْ أَلَهَ يَأْلَهُ، وقدْ جاءَ منهُ مصدرٌ يدُلُّ عَلَى أنَّ العَرَبَ قَدْ نَطَقَتْ منه بِفَعَلَ يَفْعَلُ بغَيْرِ زيادةٍ. وذلكَ ما حدَّثَنَا بهِ سُفْيانُ بنُ وَكِيعٍ، وسَاقَ السَّنَدَ إلى ابنِ عبَّاسٍ أنَّهُ قَرَأَ: (وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ) [الأعراف: 127] ، قالَ: عبادَتَكَ، ويقولُ: " إِنَّهُ كانَ يُعْبَدُ وَلا يَعْبُدُ ".

وسَاقَ بسَنَدٍ آخَرَ عَن ابنِ عبَّاسٍ: (وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ) ، قالَ: " إِنَّمَا كَانَ فِرْعَوْنُ يُعْبَدُ وَلا يَعْبُدُ "، وذَكَرَ مِثْلَهُ عنْ مُجاهِدٍ، ثُمَّ قَالَ: فقدْ بَيَّنَ قولُ ابنِ عبَّاسٍ ومُجاهِدٍ هذا، أنَّ (أَلَهَ) : عَبَدَ. وأنَّ الإِلاهَةَ مَصْدَرُهُ. وسَاقَ حَدِيثًا عَن أَبِي سَعِيدٍ مَرْفوعًا: (( أَنَّ عِيسَى أَسْلَمَتْهُ أُمُّهُ إِلَى الْكُتَّابِ لِيُعَلِّمَهُ، فَقَالَ لَهُ الْمُعَلِّمُ: اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ، فَقَالَ عِيسَى: أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟ اللَّهُ إِلَهُ الْآلِهَةِ ) ).

قالَ العلَّامَةُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: لهذا الاسمِ الشريفِ عَشْرُ خَصَائِصَ لفظيَّةٍ، ثُمَّ قالَ: وأمَّا خَصَائِصُهُ المَعْنَوِيَّةُ فَقَدْ قالَ أَعْلَمُ الخَلْقِ به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ ) )، وكَيْفَ تُحْصَى خَصَائِصُ اسْمٍ لِمُسَمَّاهُ كُلُّ كمالٍ عَلَى الإطلاقِ، وكلُّ مَدْحٍ وَحَمْدٍ، وكلُّ ثَنَاءٍ وكلُّ مَجْدٍ، وكلُّ إجْلالٍ وكلُّ كمالٍ، وكلُّ عِزٍّ وَكلُّ جَمَالٍ، وكلُّ خَيْرٍ وإحسانٍ وَجُودٍ وَفَضْلٍ وَبِرٍّ، فَلَهُ وَمِنْهُ، فما ذُكِرَ هذا الاسمُ في قليلٍ إلَّا كثَّرَهُ، ولا عِنْدَ خَوْفٍ إلَّا أَزَالَهُ، ولا عندَ كرْبٍ إلَّا كَشَفَهُ، ولا عندَ هَمٍّ وغمٍّ إلَّا فرَّجَهُ، ولا عندَ ضيقٍ إلَّا وسَّعَهُ، ولا تَعَلَّقَ بهِ ضعيفٌ إلَّا أفَادَهُ القُوَّةَ، ولا ذَلِيلٌ إلَّا أَنَالَهُ العِزَّ، ولا فقيرٌ إلَّا أَصَارَهُ غنيًّا، ولَا مُسْتَوْحِشٌ إلَّا آنَسَهُ، ولا مَغْلوبٌ إلَّا أيَّدَهُ ونصَرَهُ، ولا مُضْطَرٌّ إلَّا كَشَفَ ضُرَّهُ، ولا شريدٌ إلَّا آوَاهُ. فهوَ الاسمُ الذي تُكْشَفُ بهِ الكُرُباتُ، وتُسْتَنْزَلُ بهِ البَرَكاتُ، وتُجابُ بهِ الدَّعواتُ، وتُقالُ بهِ العَثَراتُ، وتُسْتَدْفَعُ بهِ السَّيِّئاتُ، وَتُسْتَجْلَبُ بِهِ الحَسَناتُ. وهوَ الاسمُ الذي قَامَتْ بهِ السماواتُ والأرضُ، وبهِ أُنْزِلَت الكُتُبُ، وبِهِ أُرْسِلَت الرُّسُلُ، وبهِ شُرِعَت الشَّرَائعُ، وبهِ قامَت الحدودُ، وبهِ شُرِعَ الجهادُ، وبِهِ انْقَسَمَت الخَلِيقَةُ إلى السُّعَدَاءِ والأشقياءِ، وبهِ حَقَّت الحاقَّةُ، ووَقَعَت الواقِعَةُ، وبهِ وُضِعت الموازينُ القِسْطُ ونُصِبَ الصراطُ، وقامَ سُوقُ الجنَّةِ والنَّارِ، وبهِ عُبِدَ ربُّ العالَمِينَ وحُمِدَ، وبِحَقِّهِ بُعِثَت الرُّسلُ، وعنهُ السؤالُ في القبرِ ويومَ البعثِ والنُّشورِ، وبهِ الخصامُ وإليهِ المُحَاكَمَةُ، وفيهِ المُوَالاةُ والمُعَادَاةُ، وبهِ سَعِدَ مَنْ عَرَفَهُ وقَامَ بحقِّهِ، وبهِ شَقِيَ مَنْ جَهِلَهُ وتَرَكَ حَقَّهُ، فهو سِرُّ الخَلْقِ والأَمْرِ، وبهِ قَامَا وثَبَتَا، وإليهِ انْتَهَيَا، فالخَلْقُ بهِ وإليهِ ولأَجْلِهِ، فما وُجِدَ خَلْقٌ وَلَا أَمْرٌ وَلَا ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ إِلَّا مُبْتَدِيًا مِنْهُ مُنْتَهِيًا إِلَيْهِ. وذلكَ مُوجَبُهُ ومُقْتَضاهُ {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمرانَ: 91] ، إلى آخِرِ كَلَامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى.

قولُهُ: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، قَالَ ابنُ جَرِيرٍ: حدَّثنِي السَّرِيُّ بنُ يَحْيَى، حَدَّثنا عُثْمانُ بنُ زُفَرَ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَرْزَمِيَّ يقولُ: (الرَّحْمَنِ بِجَمِيعِ الخَلْقِ، والرَّحِيمِ بالمُؤْمِنينَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت