فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 339

بِخَطِّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَدَأَ فيها بالبَسْمَلَةِ، وثنَّى بالحَمْدِ والصَّلاةِ على النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وآلِه، وعَلَى هذا فالابْتِداءُ بالبَسْمَلةِ حقيقيٌّ، وبالحَمْدَلَةِ نِسْبِيٌّ إِضَافِيٌّ، أيْ: بالنسبةِ إلى ما بعدَ الحمدِ يكونُ مَبْدُوءًا بهِ.

والباءُ في (بِسْمِ اللَّهِ) مُتَعَلِّقةٌ بمحذوفٍ، اختارَ كثيرٌ مِن المُتَأَخِّرِينَ كونَهُ فِعْلًا خاصًّا مُتَأَخِّرًا.

أمَّا كونُهُ فِعلًا؛ فلأنَّ الأصْلَ في العملِ للأفعالِ.

وأمَّا كونُهُ خاصًّا؛ فلأنَّ كلَّ مُبْتَدِئٍ بالبسملةِ في أَمْرٍ يُضْمِرُ ما جَعَلَ البسمَلَةَ مَبْدَأً لَهُ.

وأمَّا كونُهُ مُتَأَخِّرًا؛ فلِدَلَالَتِهِ عَلَى الاخْتِصاصِ، وأَدْخَلَ في التعظيمِ، وأوْفَقَ للوُجُودِ؛ ولأنَّ أهمَّ ما يُبْدَأُ بهِ ذِكْرُ اللَّهِ تعالى.

وذَكَرَ العَلَّامَةُ ابنُ القيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لحِذْفِ العَامِلِ فوائدَ؛ منها: أَنَّهُ مَوْطِنٌ لَا يَنْبَغِي أنْ يَتَقَدَّمَ فيهِ غَيْرُ ذِكْرِ اللَّهِ. ومنها: أنَّ الفعلَ إذا حُذِفَ صحَّ الابتداءُ بالبسملةِ في كلِّ عملٍ وقولٍ وحَرَكةٍ، فكانَ الحذفُ أعمَّ. انتهى مُلَخَّصًا.

وباءُ (بِسْمِ اللَّهِ) للمُصاحَبَةِ. وقِيلَ: للاستعانةِ. فيكونُ التقديرُ: بِسْمِ اللَّهِ أُؤَلِّفُ حالَ كَوْنِي مُسْتَعِينًا بِذِكْرِهِ، مُتَبَرِّكًا بِهِ. وأمَّا ظهورُهُ في {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] ، وفي {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا} [هود: 41] ؛ فلأنَّ المَقَامَ يَقْتَضِي ذلكَ كَمَا لا يَخْفَى.

والاسمُ مُشْتَقٌّ مِن السُّمُوِّ وهو العُلُوُّ. وقيلَ: مِن الوَسْمِ، وهوَ العَلَامَةُ؛ لأنَّ كلَّ ما سُمِّيَ فقد نُوِّهَ باسْمِهِ ووُسِمَ.

قولُهُ: (اللَّهِ) ، قالَ الكِسائِيُّ والفَرَّاءُ: أصْلُهُ الإلَهُ، حَذَفُوا الهمزةَ وأدْغَموا اللامَ في اللَّامِ، فصارَتَا لَامًا واحدةً مُشدَّدةً مُفَخَّمةً. قالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ، وأنَّ أصلَهُ (الإلهُ) ، كَمَا هوَ قولُ سِيبَوَيْهِ وجُمْهورِ أصحابِهِ إلَّا مَنْ شَذَّ. وهو الجامعُ لِمَعانِي الأسماءِ الحُسْنَى والصفاتِ العُلَى. والذينَ قالُوا بالاشتقاقِ إنَّما أرادُوا أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى صفةٍ لهُ تَعَالَى، وهيَ الإلَهِيَّةُ، كسائرِ أَسْمَائِهِ الحُسْنَى، كالعَلِيمِ والَقدِيرِ والسَّميعِ والبصيرِ، ونحوِ ذلكَ. فإنَّ هذهِ الأسماءَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ مصادرِها بلا رَيْبٍ، وهيَ قديمةٌ. ونحنُ لا نَعْنِي بالاشتقاقِ إلَّا أنَّها مُلَاقِيَةٌ لمَصَادِرِهَا في اللَّفْظِ والمَعْنَى. لا أنَّها مُتَولِّدَةٌ مِنْهُ تَوَلُّدَ الفرْعِ مِنْ أَصْلِهِ. و تَسْمِيَةُ النُّحاةِ للمَصْدرِ والمشتقِّ منهُ: أصلًا وفَرْعًا، لَيْسَ معناهُ أنَّ أحدَهُما مُتَوَلِّدٌ مِن الآخَرِ، وإنَّما هوَ باعتبارِ أنَّ أحدَهُما يَتَضَمَّنُ الآخَرَ وزيادةً.

قالَ أبو جعفرِ بنُ جَرِيرٍ: (اللَّهُ) أَصْلُهُ (الإلهُ) ، أُسْقِطَت الهَمْزةُ التي هيَ فاءُ الاسمِ، فالْتَقَت اللامُ التي هيَ عينُ الاسمِ واللامُ الزائدةُ، وهيَ ساكنةٌ، فأُدْغِمَتْ في الأُخْرَى، فصارتا في اللفظِ لامًا واحدةً مُشدَّدةً. انتهى.

وقال وأمَّا تأويلُ (اللَّهِ) فإنَّهُ عَلَى مَعْنَى ما رُوِيَ لنا عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عبَّاسٍ قالَ: (هُوَ الذي يَأْلَهُهُ كُلُّ شَيءٍ، وَيَعْبُدُهُ كُلُّ خَلْقٍ) ، وساقَ بسنَدِهِ عن الضَّحَّاكِ عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عبَّاسٍ قالَ: (اللَّهُ ذُو الأُلُوهِيَّةِ والعُبُوديَّةِ عَلَى خَلْقِهِ أَجْمَعِينَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت