قَالَ المُصَنِّفُ رحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: (وفيهِ أنَّ الإنسانَ قدْ يكونُ عالِمًا وهوَ لا يَعْرِفُ معنى لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، أوْ يَعْرِفُهُ ولا يَعْمَلُ بهِ) .
قُلْتُ: فَمَا أكثرَ هؤلاءِ، لا كثَّرَهُم اللَّهُ تعالى.
قولُهُ: (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ) ؛ أيْ: شَهِدُوا وانْقَادُوا لذلكَ، (فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ) ، فيهِ: أنَّ الصلاةَ أعْظَمُ واجِبٍ بعدَ الشهادتيْنِ.
قالَ النَّوَوِيُّ مَا معناهُ: إنَّه يَدُلُّ على أنَّ المُطَالَبَةَ بالفَرَائِضِ في الدنيا لا يَكونُ إلا بعدَ الإسلامِ, ولا يَلْزَمُ مِنْ ذلكَ أنْ لا يَكُونُوا مُخَاطَبِينَ بها؛ ويُزَادُ في عذَابِهم بِسَبَبِها في الآخِرَةِ. والصحيحُ أنَّ الكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بفروعِ الشريعةِ المأمورِ بهِ والمنهيِّ عنهُ. وهذا قولُ الأكثرينَ، انتهى.
قولُهُ: (فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) .
فيهِ دليلٌ على أنَّ الزكاةَ أَوْجَبُ الأركانِ بعدَ الصلاةِ، وأنَّها تُؤْخَذُ من الأغنياءِ وتُصْرَفُ على الفقراءِ، وإنَّما خَصَّ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الفقراءَ؛ لأنَّ حقَّهم في الزكاةِ آكَدُ مِنْ حَقِّ بَقِيَّةِ الأصنافِ الثمَانِيَةِ.
وفيهِ: أنَّ الإمامَ هوَ الذي يَتَوَلَّى قَبْضَ الزكاةِ وصَرْفَهَا؛ إمَّا بنفسِهِ أوْ نائبِهِ. فمَن امْتَنَعَ مِنْ أَدائِها أُخِذَتْ قَهْرًا منهُ.
وفي الحديثِ دليلٌ على أَنَّهُ يَكْفِي إخراجُ الزكاةِ في صِنْفٍ واحِدٍ، كما هوَ مَذْهَبُ الإمامِ مالِكٍِ وأحمدَ.
وفيهِ: أَنَّهُ لا يجوزُ دَفْعُها إلى غَنِيٍّ ولا إلى كافِرٍ غَيرَ المُؤَلَّفِ، وأنَّ الزكاةَ واجِبَةٌ في مالِ الصبيِّ والمجنونِ، كما هوَ قولُ الجمهورِ؛ لعمومِ الحديثِ.
قُلْتُ: والفقيرُ إذا أُفْرِدَ في اللفظِ تَنَاوَلَ المسكينَ، وبالعكسِ كنظائِرِهِ، قَرَّرَهُ شيخُ الإسلامِ.
قولُهُ: (إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ) ، بنَصْبِ (كَرَائِمَ) على التحذيرِ، جمْعُ كَرِيمَةٍ. قالَ صاحِبُ المطالِعِ: هيَ الجامِعَةُ للكمالِ المُمْكِنِ في حقِّها؛ مِنْ غَزَارَةِ لَبَنٍ، وجمالِ صورةٍ، وكَثْرَةِ لَحْمٍ وصُوفٍ. ذكرَهُ النوويُّ (قُلْتُ) : وهيَ خِيارُ المالِ وأنْفَسُهُ وأكثرُهُ ثمنًا.
وفيهِ: أَنَّهُ يَحْرُمُ على العامِلِ في الزكاةِ أخَذُ كرائِمِ المالِ، ويَحْرُمُ على صاحِبِ المالِ إخراجُ شِرارِ المالِ. بلْ يُخْرِجُ الوَسَطَ، فإنْ طابَتْ نَفْسُهُ بالكريمةِ جَازَ.
قولُهُ: (وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ) ؛ أي: اجْعَلْ بينَكَ وبينَها وِقَايَةً بالعَدْلِ وتَرْكِ الظُّلْمِ، وهذانِ الأمرانِ يَقِيَانِ مَنْ رُزِقَهُما منْ جميعِ الشرورِ دُنْيا وأُخْرَى.
وفيهِ تنبيهٌ على التحذيرِ منْ جميعِ أنواعِ الظلْمِ.
قولُهُ: (فَإِنَّهُ) ؛ أي: الشأنَ، (لَيْسَ بَينَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ) ، هذهِ الجُملةُ مُفَسِّرَةٌ لضميرِ الشأنِ؛ أيْ: فإنَّها لا تُحْجَبُ عن اللَّهِ تعالى فَيَقْبَلَهَا.
وفي الحديثِ أيضًا قَبُولُ خَبَرِ الواحدِ العدلِ، ووجوبُ العَمَلِ بهِ، وبَعْثُ الإمامِ العُمَّالَ لجِبَايَةِ الزكاةِ، وأَنَّهُ يَعِظُ عُمَّالَهُ ووُلَاتَهُ، ويأْمُرُهم بتَقْوَى اللَّهِ تعالى، ويُعَلِّمُهم، ويَنْهَاهم عن الظُّلْمِ، ويُعَرِّفُهم سوءَ عاقِبَتِهِ، والتنبيهُ على التعليمِ بالتدريجِ. قَالَهُ المُصَنِّفُ.
قُلْتُ: ويُبْدَأُ بالأهمِّ فالأهمِّ.
واعْلَمْ أَنَّهُ لمْ يَذْكُرْ في الحديثِ الصومَ والحَجَّ، فَأَشْكَلَ ذلكَ على كثيرٍ من العلماءِ.