فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 339

قالَ شيخُ الإسلامِ: أجابَ بعضُ الناسِ: أنَّ بعضَ الرواةِ اخْتَصَرَ الحديثَ، وليسَ كذلكَ، فَإِنَّ هذا طَعْنٌ في الرواةِ؛ لأنَّ ذلكَ إنَّما يقَعُ في الحديثِ الواحِدِ، مثلَ حديثِ وَفْدِ عبدِ الْقَيْسِ حيثُ ذَكَرَ بعضُهم الصيامَ وبعضُهم لمْ يَذْكُرْهُ، فأمَّا الحديثانِ المنفَصِلانِ فليسَ الأمرُ فيهما كذلكَ. ولكنْ عنْ هذا جوابانِ:

أحدُهما: أنَّ ذلكَ بحَسَبِ نُزولِ الفرائضِ، وأوَّلُ ما فَرَضَ اللَّهُ الشهادتانِ ثمَّ الصلاةُ، فإنَّهُ أَمَرَ بالصلاةِ في أوَّلِ أوقاتِ الوَحْيِ؛ ولهذا لمْ يَذْكُرْ وجوبَ الحَجِّ كعامَّةِ الأحاديثِ، إنَّما جاءَ في الأحاديثِ المُتَأَخِّرَةِ. قلتُ: وهذا من الأحادِيثِ المُتَأَخِّرَةِ, ولم يُذْكَرْ فيهَا.

الجوابُ الثاني: أَنَّهُ كانَ يَذْكُرُ في كلِّ مَقَامٍ ما يُنَاسِبُهُ، فيذْكُرُ تارَةًَ الفرائِضَ التي يُقاتَلُ عليها؛ كالصلاةِ والزكاةِ، ويَذْكُرُ تارَةً الصلاةَ والصيامَ لِمَنْ لمْ يَكُنْ عليهِ زكاةٌ، ويَذْكُرُ تارَةً الصلاةَ والزكاةَ والصومَ. فإمَّا أنْ يكونَ قبلَ فرْضِ الحجِّ، وإمَّا أنْ يكونَ المُخَاطَبُ بذلكَ لا حَجَّ عليهِ. وأمَّا الصلاةُ والزكاةُ فَلَهُمَا شأنٌ ليسَ لسائِرِ الفرائِضِ؛ ولهذا ذَكَرَ تعالى في كتابِهِ القتالَ عليهما؛ لأَنَّهُما عبادتانِ ظاهِرتانِ، بخلافِ الصومِ؛ فإنَّهُ أَمْرٌ باطِنٌ مِنْ جِنْسِ الوضوءِ والاغْتِسَالِ من الجَنَابَةِ، ونحوِ ذلكَ ممَّا يُؤْتَمَنُ عليهِ العبدُ؛ فإنَّ الإنسانَ يُمْكِنُهُ أنْ لا يَنْوِيَ الصومَ وأنْ يَأْكُلَ سِرًّا، كمَا يُمْكِنُهُ أنْ يَكْتُمَ حَدَثَهُ وَجَنَابَتَهُ. وهوَ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ يَذْكُرُ في الأعمالِ الظاهِرَةِ التي يُقاتَلُ الناسُ عليها ويَصِيرونَ مسلمينَ بفعْلِها؛ فلهذا علَّقَ ذلكَ بالصلاةِ والزكاةِ دونَ الصومِ. وإنْ كانَ واجِبًا كما في آيَتَيْ"بَرَاءَةٌ"؛ فَإِنَّ"بَرَاءَةٌ"نَزَلَتْ بَعْدَ فَرْضِ الصيامِ باتِّفَاقِ الناسِ. وكذلكَ لمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إلى اليَمَنِ لمْ يَذْكُرْ في حديثِهِ الصومَ؛ لأَنَّهُ تَبَعٌ وهوَ باطِنٌ، ولا ذَكَرَ الحَجَّ؛ لأنَّ وُجُوبَهُ خاصٌّ ليسَ بعامٍّ، ولا يَجِبُ في العُمُرِ إلَّا مَرَّةً. انْتَهَى بمعناهُ.

قولُهُ: (أَخْرَجَاهُ) ؛ أي: البُخَارِيُّ ومسلمٌ. وأخْرَجَهُ أيضًا أحمدُ وأبو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ وابنُ مَاجَةَ.

(3) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تعالَى: وَلَهُمَا عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: (( لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ ) ). فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ، أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا. فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: (( أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ ) )فَقِيلَ: هُوَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ. فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ, فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ في عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ: (( انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالى فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ) ).

(يَدُوكُونَ) ؛ أيْ: يَخُوضُونَ.

قولُهُ: (عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ) ؛ أي: ابنِ مالِكِ بنِ خالِدٍ الأنْصَارِيِّ الخَزْرَجِيِّ السَّاعِدِيِّ أبي العبَّاسِ، صَحَابِيٍّ شَهِيرٍ، وأَبُوهُ صَحَابِيٌّ أيضًا، ماتَ سنَةَ ثَمَانٍ وثَمَانينَ وقدْ جَاوَزَ المِائَةَ.

قولُهُ: (قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ) ، أي: في غَزْوَةِ خَيْبَرَ. وفي الصحيحيْنِ: عنْ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ قالَ: كَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ تَخَلَّفَ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في خَيْبَرَ، وَكَانَ أَرْمَدَ، فَقَالَ: أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَخَرَجَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ في صَبَاحِهَا، قَالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ - أَوْ لَيَأْخُذَنَّ الرَّايَةَ - غَدًا رَجُلًا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ - أَوْ قَالَ: يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ - يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ ) ). فَإِذَا نَحْنُ بِعَلِيٍّ وَمَا نَرْجُوهُ، فَقَالُوا: هَذَا عَلِيٌّ. فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّايَةَ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت