فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 339

قولُهُ: (فَلْيَكُنْ أَوَّلَ ما تَدْعوهُمْ إِليْهِ شَهادةُ أنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ) ، شِهَادَةُ رُفِعَ عَلَى أَنَّهُ اسمُ (يَكُنْ) مُؤَخَّرٌ. و (أَوَّلَ) خَبَرُها مُقَدَّمٌ. ويَجُوزُ العكسُ.

قولُهُ: (وَفي رِوايَةٍ: إلى أنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ) . هذهِ الروايَةُ ثابِتَةٌ في كتابِ التوحيدِ منْ صحيحِ البخاريِّ. وأشارَ المصنِّفُ بذكْرِ هذهِ الروايَةِ إلى التنبيهِ على معْنَى (شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ؛ فإنَّ معناها توحيدُ اللَّهِ تعالى بالعبادَةِ ونَفْيُ عبادةِ ما سِوَاهُ. وفي روايَةٍ: (( فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ ) )، وذلكَ هوَ الكُفْرُ بالطَّاغُوتِ والإيمانُ باللَّهِ، كما قالَ تعالى: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا} [البقرة: 256] ، والعُرْوَةُ الْوُثْقَى هيَ (لا إلهَ إلَّا اللَّهُ) . وفي روايَةٍ للبخاريِّ: فقالَ: (( ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ) ).

قُلْتُ: لا بُدَّ في شَهَادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ مِنْ سَبْعَةِ شُروطٍ، لا تَنْفَعُ قائِلَها إلَّا باجْتِمَاعِها:

أحدُها: العِلْمُ المُنافي للجَهْلِ.

الثاني: اليقينُ المُنافي للشكِّ.

الثالثُ: القَبُولُ المنافي للردِّ.

الرابعُ: الانْقِيادُ المنافي للتَّرْكِ.

الخامسُ: الإخلاصُ المنافي للشِّرْكِ.

السادسُ: الصِّدْقُ المنافي للْكَذِبِ.

السابعُ: المحبَّةُ المنافِيَةُ لعَدَمِهَا.

وفيهِ دليلٌ على أنَّ التوحيدَ - الذي هوَ إخلاصُ العبادَةِ للَّهِ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وتَرْكُ عبادَةِ ما سِواهُ - هوَ أوَّلُ واجِبٍ. ولهذا كانَ أوَّلَ ما دَعَتْ إليهِ الرُّسُلُ عليهم السلامُ {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} ، وقولُ نوحٍ: {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} ، وفيهِ معنى (لا إلهَ إلَّا اللَّهُ) مُطَابَقَةً.

قالَ العَلَّامَةُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَه اللهُ تعالَى: ولهذا خَاطَبَ الرُّسُلُ أُمَمَهُم, مُخَاطَبَةَ مَن لا شَكَّ عندَه في اللهِ, وإنما دَعَوْهم إلى عِبادَةِ اللهِ وحدَه, لا إلى الإقْرَارِ بِهِ؛ فقالَتْ لهم: {أَفِي اللَّهْ شَكٌّ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . [إبراهيم: 10] فوجُودُه سُبحانَهُ ورُبُوبِيَّتُه وقُدْرَتُه, أَظْهَرُ مِن كلِّ شَيءٍ على الإطلاقِ.

فهو أظْهَرُ للبصَائِرِ من الشمسِ للأبصارِ, وأَبْيَنُ للعُقُولِ مِن كلِّ ما تَعْقِلُهُ وتُقِرُّ بوُجُودِهِ. فما يُنْكِرُهُ إلا مُكَابِرٌ بلسانِهِ, وقلْبِهِ وعقلِهِ وفِطْرَتِهِ, وكلُّها تُكَذِّبُهُ, قالَ تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍِ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} . [الرَّعْد: 2] إلى آخِرِ الآياتِ.

قالَ شيخُ الإسلامِ: وقدْ عُلِمَ بالاضْطِرارِ منْ دينِ الرسولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واتَّفَقَتْ عليهِ الأمَّةُ، أنَّ أصلَ الإسلامِ وأوَّلَ ما يُؤْمَرُ بهِ الخَلْقُ شهادةُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ. فبذلكَ يصيرُ الكافِرُ مُسْلِمًا، والعدُوُّ وَلِيًّا، والمُبَاحُ دَمُهُ ومالُهُ معصومَ الدَمِ والمالِ. ثُمَّ إنْ كانَ ذلكَ مِنْ قَلْبِهِ فقدْ دَخَلَ في الإيمانِ، وإنْ قالَهُ بلسانِهِ دونَ قلبِهِ فهوَ في ظاهِرِ الإسلامِ دونَ باطِنِ الإيمانِ. قالَ: وأمَّا إذا لمْ يَتَكَلَّمْ بها معَ القُدْرَةِ فهوَ كافِرٌ باتِّفاقِ المسلمينَ بَاطِنًا وظاهِرًا، عندَ سَلَفِ الأمَّةِ وأَئِمَّتِهَا وجمَاهِيرِ العلماءِ، انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت