فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 339

فإنَّ الإمامَ والمُؤْتَمَّ مُتَعَاونان على طاعتِهِ, وإنما سأَلوه ما يُعَاوِنُون به المُتَّقِين على مَرْضَاتِهِ وطاعتِهِ , وهو دَعْوَتُهُم إلى اللهِ بالإمامَةِ في الدينِ, التي أساسُها الصبْرُ واليقينُ , قالَ تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} . [السَّجْدَة: 24] فسُؤالُهُم: أنْ يَجْعَلَهم أَئِمَّةً للمُتَّقِين هو سؤالُ أن يهدِيَهم ويُوَفِّقَهُم ويَمُنَّ عليهم بالعُلُومِ النافِعَةِ , والأعمالِ الصالِحَةِ ظاهِرًا وبَاطِنًا , التي لا تَتِمُّ الإمامةُ إلا بها.

وتَأَمَّلْ كيف نَسَبَهم في هذه الآياتِ إلى اسْمِ الرحمنِ جلَّ جَلالُهُ؛ لِيَعْلَمَ خَلْقُهُ أن هذا إِنَّما نَالُوه بفضْلِهِ ورَحْمَتِهِ , ومَحْضِ جُودِهِ ومِنَّتِهِ.

وتَأَمَّلْ كيفَ جَعَلَ جزاءَهم في هذه الصُّورَةِ: الغُرَفَ, وهي المنازِلُ العالِيَةُ في الجنَّةِ.

وهذا لِمَّا كانَت الإمامةُ في الدينِ مِن الرُّتَبِ العالِيَةِ, بل مِن أعلى مَرَاتِبَ يُعْطَاها العبدُ في الدنيا كان جزاؤُه عليها الغُرَفَ العالِيَةَ في الجنةِ.

وهذا بخلافِ طَلَبِ الرِّيَاسَةِ؛ فإن طالِبِيها يَسْعَوْنَ في تَحْصِيلِها؛ لينالوا بها أَغْرَاضَهم؛ مِن العُلُوِّ في الأرضِ , وتَعَبُّدِ القلوبِ لهم , وميلِهَا إليهم , ومُسَاعَدَتِهِم لهم على جميعِ أغراضِهِم , معَ كونِهم عالِين عليهم قَاهِرين لَهم.

فتَرَتَّبَ على هذا الطَّلَبِ مِن المفاسِدِ ما لا يَعْلَمُهُ إلا اللهُ: من البَغْيِ والحَسَدِ, والطُّغْيَانِ والحِقْدِ , والظُّلْمِ, والحَمِيَّةِ للنفسِ دونَ حقِّ اللهِ , وتَعْظِيمِ مَن حَقَّرَ اللهُ, واحْتِقَارِ مَن أَكْرَمَه اللهُ.

ولا تَتِمُّ الرِّيَاسَةُ الدنيويَّةُ إلا بذلك, ولا تُنَالُ إلا بأَضْعَافِهِ من المفاسِدِ, والرُّؤَسَاءُ في عَمًى عن هذا.

فإذا كُشِفَ الغِطَاءُ تَبَيَّنَ لهم فَسَادُ ما كانوا عليه, ولا سيَّما إذا حُشِرُوا في صِفَةِ الذَّرِّ , يَطَؤُهم أهلُ المَوْقِفِ بأَرْجُلِهِم؛ إِهَانَةً لهم وتَحْقِيرًا وتَصْغِيرًا , كما صَغَّرُوا أَمْرَ اللهِ , وحَقَّرُوا عِبَادَه. انْتَهَى كلامُهُ رَحِمَه اللهُ تعالَى.

(2) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالَى: عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلى اليَمَنِ قَالَ له: (( إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعوهُمْ إِليْهِ شَهادةُ أنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ) ). وَفي رِوايَةٍ: (( إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْترَضَ علَيْهِم صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ) )، أخْرَجَاهُ.

قالَ الحافِظُ: كانَ بَعْثُ مُعَاذٍ إلى اليَمَنِ سنَةَ عَشْرٍ، قَبْلَ حَجِّ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما ذكَرَهُ المصنِّفُ -يعنِي البخاريَّ- في أواخِرِ المَغَازِي. وقيلَ: كانَ ذلكَ في آخِرِ سنَةِ تِسْعٍ عندَ مُنْصَرَفِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَبُوكَ. رواهُ الواقِدِيُّ بإسنادِهِ إلى كَعْبِ بنِ مالِكٍ. وأخْرَجَهُ ابنُ سَعْدٍ في الطبقاتِ عنهُ، واتَّفَقُوا أَنَّهُ لمْ يَزَلْ على اليَمَنِ إلى أنْ قَدِمَ في خِلَافَةِ أبي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثمَّ تَوَجَّهَ إلى الشامِ فماتَ بها.

قالَ شيخُ الإسلامِ: ومنْ فضائِلِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ أَنَّهُ بَعَثَه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى اليَمَنِ مُبَلِّغًا عَنْهُ، وَمُفَقِّهًا وَمُعَلِّمًا وَحَاكِمًا.

قولُهُ: (إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الكِتابِ) . قالَ القُرْطُبِيُّ: يعني بهِ اليهودَ والنَّصَارَى؛ لأَنَّهُم كانوا في اليَمَنِ أكْثَرَ مِنْ مُشْرِكِي العرَبِ أوْ أغْلَبَ، وإنَّما نَبَّهَ على هذا لِيَتَهَيَّأَ لمُنَاظَرَتِهم.

وقالَ الحافظُ: هوَ كالتَّوْطِئَةِ للوَصِيَّةِ لِيَجْمَعَ هِمَّتَهُ عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت