فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 339

معْصِيَتِهِ (سَبِيلِي و) ، طَرِيقَتِي ودَعْوَتي، (أَدْعُو إِلى اللَّهِ) تعالى وحدَهُ لا شريكَ لَهُ (عَلَى بَصِيرَةٍ) بذلكَ ويقينِ عِلْمٍ مِنِّي بِهِ. (أَنَا) ، ويَدْعُو إليهِ على بَصِيرَةٍ أيضًا من اتَّبَعَنِي وَصَدَّقَنِي وآمَنَ بي. (وَسُبْحَانَ اللَّهِ) ، يقولُ لهُ تعالى ذِكْرُهُ: وقُلْ تَنْزِيهًا للَّهِ تعالى وتعظيمًا لهُ مِنْ أنْ يكونَ لهُ شَريكٌ في مُلْكِهِ أوْ مَعْبُودٌ سِواهُ في سُلْطَانِهِ: {وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ} ، يقولُ: وأنا بريءٌ مِنْ أهلِ الشركِ بهِ، لَسْتُ مِنهم ولا هُمْ مِنِّي. انْتَهَى.

قالَ في شَرْحِ المَنَازِلِ: يُريدُ أنْ تَصِلَ باسْتِدْلالِكَ إلى أعْلَى دَرَجَاتِ العِلْمِ؛ وهيَ البَصِيرَةُ التي يَكونُ نِسبةُ المعلومِ فيها إلى القَلْبِ كنِسْبَةِ المَرْئِيِّ إلى البَصَرِ، وهذهِ هيَ الخَصِيصَةُ التي اخْتُصَّ بها الصحابةُ عنْ سائِرِ الأمَّةِ، وهيَ أعْلَى درجاتِ العلماءِ. قالَ تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} ؛ أيْ: أنَا وأَتْبَاعِي عَلَى بَصِيَرةٍ. وقِيلَ: (ومَنِ اتَّبَعَنِي) عطْفٌ على المَرْفُوعِ في (أَدْعُو) ؛ أيْ: أَنَا أَدْعُو إلى اللَّهِ على بَصِيرةٍ، ومَن اتَّبَعَنِي كذلكَ يَدْعُو إلى اللَّهِ تعالى على بَصِيرَةٍ. وعلى القَوْلَيْنِ؛ فالآيَةُ تَدُلُّ على أنَّ أتْبَاعَهُ هُمْ أهْلُ البصائِرِ الدَّاعُونَ إلى اللَّهِ تعالى، ومَنْ ليسَ مِنهم فليسَ مِنْ أتْبَاعِهِ على الحقيقةِ والموافَقَةِ، وإنْ كانَ مِنْ أتباعِهِ على الانْتِسابِ والدَّعْوَى.

قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (فيهِ مَسَائِلُ: منها التَّنْبِيهُ على الإِخلاصِ؛ لأنَّ كَثِيرًا [مِن الناسِ] لوْ دَعا إلى الحقِّ فهوَ يَدْعُو إلى نفْسِهِ. ومنها: أنَّ البَصيرَةَ من الفرائِضِ. ومنها: أنَّ مِنْ دلائِلِ حُسْنِ التوحيدِ أَنَّهُ تَنْزِيهٌ للَّهِ تعالى عن المَسَبَّةِ. ومنها: أنَّ مِنْ قُبْحِ الشِّرْكِ كونَهُ مَسَبَّةً للَّهِ تعالى. ومنها إِبْعَادُ المسلمِ عن المشركينَ؛ لا يَصِيرُ منهم ولوْ لمْ يُشْرِكْ) ، انتهى.

وقالَ العلَّامةُ ابنُ القيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى في معنى قولِهِ تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل:125] ذَكَرَ سبْحَانَهُ مَراتِبَ الدعوةِ وجَعَلَها ثلاثةَ أقْسَامٍ بحَسَبِ حالِ المَدْعُوِّ؛ فإنَّهُ إمَّا أنْ يكونَ طالبًا للحقِّ مُحِبًّا لهُ، مُؤْثِرًا لهُ على غيْرِهِ إذا عرَفَهُ، فهذا يُدْعَى بِالْحِكْمَةِ، ولا يَحْتَاجُ إلى مَوْعِظَةٍ وجِدَالٍ. وإمَّا أنْ يكونَ مُشْتَغِلًا بِضِدِّ الحقِّ، لكنْ لوْ عَرَفَهُ آثَرَهُ واتَّبَعَهُ، فهذا يَحْتَاجُ إلى الموْعِظَةِ بالترغيبِ والترهيبِ. وإمَّا أنْ يكونَ مُعَانِدًا مُعَارِضًا، فهذا يُجَادَلُ بالَّتي هيَ أحْسَنُ، فإنْ رَجَعَ وإلَّا انْتُقِلَ معهُ إلى الجَلَّادِ إنْ أَمْكَنَ. انْتَهَى.

وقَالَ أَيْضًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: والفَرْقُ بَيْنَ حُبِّ الإمامَةِ والدَّعْوَةِ إلى اللهِ وحُبِّ الرِّيَاسَةِ: هو الفَرْقُ بينَ تَعْظيمِ أَمْرِ اللهِ والنُّصْحِ له, وتَعْظيمِ النَّفْسِ والسعْيِ في حَظِّهَا.

فإنَّ الناصِحَ للهِ المُحِبَّ لَه , يُحِبُّ أن يُطاعَ رَبُّه فَلا يُعْصَى , وأنْ تَكونَ كَلِمَتُهُ هي العُليا, وأن يكونَ الدِّينُ كلُّه للهِ, وأن يكونَ العِبادُ مُمْتَثِلِينَ أَوَامِرَه مُجْتَنِبِينَ نَوَاهِيَه.

فقد نَاصَحَ اللهُ في عُبُودِيَّتِهِ , ونَاصَحَ خَلْقَه في الدعوةِ إلى اللهِ , فهو يُحِبُّ الإمامَةَ في الدينِ. بل يَسْأَلُ رَبَّهُ أن يَجْعَلَه للمُتَّقِين إِمَامًا يَقْتَدِي بِهِ المُقْتَدُون , كما اقْتَدَى هو بالمُتَّقِين.

فإذا أَحَبَّ هذا العَبْدُ الدَّاعِي إلى اللهِ أن يكونَ في أَعْيُنِ الناسِ جليلًا , وفي قلوبِهِم مَهِيبًا , وإليهم حَبِيبًا , وأن يكونَ فيهم مُطاعًا؛ لكي يَأْتَمُّوا بِهِ , ويَقْتَفُوا أَثَرَ الرسولِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ على يَدَيْهِ. لم يَضُرَّه ذلك, بل يُحْمَدُ عليه؛ لأنه داعٍ إلى اللهِ , يُحِبُّ أن يُطَاعَ ويُعْبَدَ ويُوَحَّدَ. فهو يُحِبُّ ما يكونُ عَوْنًا على ذلك , مُوصِلًا إليه.

ولهذا ذَكَرَ اللهُ سبحانَه عِبَادَه الذين اخْتَصَّهم لنفسِهِ , وأثْنَى عليهم في تَنْزِيلِهِ وأحسْنَ جزاءَهُم يومَ لقائِهِ. فذَكَّرَهم بأحسَنِ أعمالِهِم وأوصافِهِم , ثم قالَ: {والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} . [سورةُ الفُرْقَانِ: 74] . فسَأَلوه أن يُقِرَّ أعينَهُم بطاعَةِ أزواجِهِم وذُرِّيَّاتِهِم له سبحانَه , وأن يُسِرَّ قُلُوبَهُم باتِّبَاعِ المُتَّقِينَ لَهم على طاعتِهِ وعبودِيَّتِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت