فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 339

(3) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تعالَى: وفي الحديثِ: (( أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ ) )، فَسُئِلَ عَنْهُ، فَقَالَ: (( الرِّيَاءُ ) ). أوْرَدَ المصنِّفُ هذا الحديثَ مُخْتَصَرًا غيرَ مَعْزُوٍّ. وقدْ رَوَاهُ الإمامُ أحمدُ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ. وهذا لفظُ أحمدَ: حدَّثَنا يُونُسُ، حَدَّثَنا لَيْثٌ، عَنْ يَزِيدَ، يَعْني ابنَ الْهَادِ، عنْ عمرٍو، عنْ محمودِ بنِ لَبِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ ) ). قالُوا: ومَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ يا رَسولَ اللهِ؟ قَالَ: (( الرِّيَاءُ؛ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِذَا جَزَى النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمُ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟ ) ).

قالَ المُنْذِرِيُّ: ومحمودُ بنُ لَبِيدٍ رأَى النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولمْ يَصِحَّ لهُ منهُ سماعٌ فيما أُرَى. وذكَرَ ابنُ أبي حاتِمٍ أنَّ البُخاريَّ قالَ: لَهُ صُحْبَةٌ، ورَجَّحَهُ ابنُ عبدِ البَرِّ والحافِظُ. وقدْ روَاهُ الطبرانيُّ بأسانيدَ جَيِّدَةٍ عنْ محمودِ بنِ لَبِيدٍ، عنْ رافِعٍ بنِ خَدِيجٍ. ماتَ محمودٌ سَنَةَ سِتٍّ وتسعينَ. وقيلَ: سنةَ سَبْعٍ وتسعينَ، ولهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ سَنَةً.

قولُهُ: (إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ) ، هذا منْ شَفَقَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأُمَّتِهِ ورَحْمَتِهِ ورأْفَتِهِ بِهم، فلا خيرَ إلَّا دلَّهُم عليهِ وأمرَهم بهِ، ولا شَرَّ إلَّا بَيَّنَهُ لهم وأخبَرَهم بهِ ونَهاهم عنهُ، كما قالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما صَحَّ عنهُ: (( مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ ) )الحديثَ. فإذا كانَ الشِّركُ الأَصْغَرُ مَخُوفًا على أصحابِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معَ كمالِ عِلْمِهِم وقوَّةِ إيمانِهم، فكيفَ لا يَخَافُهُ وَمَا فَوْقَهُ مِمَّنْ هوَ دُونَهم في العِلْمِ والإيمانِ بِمراتِبَ؟ خُصُوصًا إذا عُرِفَ أنَّ أكثْرَ عُلماءِ الأمْصَارِ اليومَ لا يَعْرِفونَ مِن التوحيدِ إلَّا ما أَقَرَّ بهِ المُشْرِكُونَ، وما عَرَفُوا مَعْنَى الإِلَهِيَّةِ التي نَفَتْهَا كَلِمَةُ الإخلاصِ عنْ كلِّ مَا سِوَى اللَّهِ.

وأخرَجَ أبو يَعْلَى وابنُ المُنْذِرِ عنْ حُذَيْفَةَ بنِ اليَمَانِ، عنْ أبي بَكْرٍ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( الشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ ) )، قالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلِ الشِّرْكُ إلَّا مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَوْ مَا دُعِيَ مَعَ اللَّهِ؟ قال: (( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، الشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ ) )الحديثَ. وفيهِ: (( أَنْ تَقُولَ: أَعْطَانِي اللَّهُ وَفُلَانٌ، والنِّدُّ أَنْ يَقُولَ الإِنْسَانُ: لَوْلَا فُلَانٌ قَتَلَنِي فُلَانٌ ) )، انتهَى من الدُّرِّ.

(4) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالى: (وعن ابنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ:(( مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ ) )، رَوَاهُ البُخَارِيُّ).

قالَ ابنُ القَيِّمِ: النِّدُّ: الشَّبِيهُ، يُقَالُ: فلانٌ نِدُّ فلانٍ، ونَدِيدُهُ، أيْ: مِثْلُهُ وشِبْهُهُ. قالَ تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] .

قولُهُ: (مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو مِن دونِ اللهِ نِدًّا) ؛ أيْ: يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا في العبادةِ، يَدْعُوهُ وَيَسْأَلُهُ ويَسْتَغِيثُ بِهِ، دَخَلَ النَّارَ. قالَ العَلَّامَةُ ابنُ القَيِّمِ رحِمَهُ اللَّهُ تعالى:

والشِّرْكُ فَاحْذَرْهُ فَشِرْكٌ ظَاهِرٌ * ذَا القِسْمِ لَيْسَ بِقَابِلِ الغُفْرَانِ

وَهْوَ اتِّخَاذُ النِّدِّ لِلرَّحْمَنِ أيًّا * كَانَ مِنْ حَجَرٍ وَمِنْ إِنْسانِ

يَدْعُوهُ أَوْ يَرْجُوهُ ثُمَّ يَخَافُهُ * وَيُحِبُّهُ كَمَحَبَّةِ الدَّيَّانِ

واعْلَمْ أنَّ اتِّخَاذَ النِّدِّ على قِسْمَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ يَجْعَلَهُ للَّهِ شَرِيكًا في أنواعِ العِبادَةِ أوْ بعْضِها كمَا تَقَدَّمَ، وهوَ شِرْكٌ أَكْبَرُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت