والثاني: ما كانَ مِنْ نوْعِ الشِّركِ الأصْغَرِ، كقولِ الرَّجُلِ: ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ، ولَوْلا اللَّهُ وأَنْتَ. وكَيَسِيرِ الرِّياءِ؛ فقدْ ثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَّا قالَ لَهُ رَجُلٌ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، قالَ: (( أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ ) ). رواهُ أحْمَدُ وابنُ أَبي شَيْبَةَ، والبخاريُّ في الأَدَبِ المُفْرَدِ، والنَّسَائِيُّ وابنُ مَاجَةَ. وقدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ في بابِ فَضْلِ التوحيدِ.
وفيهِ: بيانُ أنَّ دَعْوَةَ غيرِ اللَّهِ فيما لا يَقْدِرُ عليهِ إلَّا اللَّهُ شِرْكٌ جَلِيٌّ، كَطَلَبِ الشَّفَاعَةِ مِن الأمواتِ؛ فإنَّها مِلْكٌ للَّهِ تعَالَى وبيدِهِ، ليسَ بيدِ غَيْرِهِ منها شيءٌ، وهوَ الذي يَأْذَنُ للشفيعِ أنْ يَشْفَعَ فيمَنْ لاقَى اللَّهَ بالإخلاصِ والتوحيدِ مِنْ أهلِ الكبَائِرِ، كمَا يأتي تقريرُهُ في بابِ الشفاعَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.
(5) قَالَ المُصَنِّفُ رحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (ولمسلِمٍ عنْ جابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ:(( مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ ) ).
جَابِرٌ: هوَ ابنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ حَرَامٍ، بمُهْمَلَتَيْنِ، الأنصاريُّ ثمَّ السَّلَمِيُّ، بفتحَتَيْنِ. صحابيٌّ جَلِيلٌ، ولأبيهِ مَنَاقِبُ مشهورَةٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. ماتَ بالمدينةِ بعدَ السبعينَ، وقدْ كُفَّ بَصَرُهُ، ولَهُ أرْبَعٌ وتسعونَ سنَةً.
قولُهُ: (مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) ، قالَ القُرْطُبِيُّ: أيْ: لم يَتَّخِذْ معَهُ شَرِيكًا في الإِلَهِيَّةِ، ولا في الخَلْقِ، ولا في العِبَادَةِ. ومِن المعلومِ مِن الشرْعِ المُجْمَعِ عليهِ عندَ أهلِ السنَّةِ: أنَّ مَنْ مَاتَ على ذلكَ فلا بُدَّ لهُ مِنْ دُخُولِ الجنَّةِ، وإنْ جَرَتْ عليهِ قبلَ ذلكَ أنواعٌ مِن العذابِ والمِحْنَةِ. وأنَّ مَنْ مَاتَ على الشِّرْكِ لا يدْخُلُ الجنَّةَ، ولا يَنَالُهُ مِن اللَّهِ رَحْمَةٌ، ويُخَلَّدُ في النَّارِ أَبَدَ الآبَادِ، مِنْ غيرِ انْقِطَاعِ عَذَابٍ، ولا تَصَرُّمِ آمادٍ.
وقالَ النَّوَوِيُّ: أمَّا دُخُولُ المُشْرِكِ النارَ فهوَ على عُمُومِهِ، فيَدْخُلُها ويُخَلَّدُ فيها، ولا فَرْقَ فيهِ بينَ الكِتَابِيِّ اليهوديِّ والنصرانيِّ، وبينَ عبَدَةِ الأوْثَانِ وسائِرِ الكَفَرَةِ، ولا فرْقَ عندَ أهلِ الحقِّ بينَ الكافِرِ عِنَادًا وغيرِهِ، ولا بَيْنَ مَنْ خالَفَ مِلَّةَ الإسلامِ وبينَ من انْتَسَبَ إليها ثمَّ حُكِمَ بكُفْرِهِ بجَحْدِهِ ما يُكَفَّرُ بِجَحْدِهِ وغيرِ ذلكَ. وأمَّا دُخُولُ مَنْ مَاتَ غيرَ مُشْرِكٍ الجنَّةَ فهوَ مَقْطُوعٌ لَهُ بهِ. لكنْ إنْ لمْ يَكُنْ صَاحِبَ كبيرَةٍ مَاتَ مُصِرًّا عليها دَخَلَ الجنةَ أوَّلًا، وإنْ كانَ صَاحِبَ كبيرةٍ ماتَ مُصِرًّا عليها فهوَ تحتَ المشيئةِ؛ فإنْ عُفِيَ عنهُ دَخَلَ الجنةَ أَوَّلًا، وإلَّا عُذِّبَ في النَّارِ ثمَّ أُخْرِجَ من النارِ وأُدْخِلَ الجنَّةَ.
وقالَ غيرُهُ: اقْتَصَرَ عَلَى نَفْيِ الشِّرْكِ؛ لاسْتِدْعَائِهِ التوحيدَ بالاقْتِضَاءِ، واستدعائِهِ إثباتَ الرِّسَالَةِ باللُّزُومِ؛ إذ مَنْ كَذَّبَ رُسُلَ اللَّهِ فقدْ كذَّبَ اللَّهَ، ومَنْ كذَّبَ اللَّهَ فهوَ مُشْرِكٌ، وهوَ كقولِكَ: مَنْ تَوَضَأَ صَحَّتْ صلاتُهُ. أيْ: معَ سائِرِ الشروطِ. فالمرادُ: مَنْ مَاتَ حَالَ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا بجميعِ ما يَجِبُ الإيمانُ بهِ إِجمالًا في الإجماليِّ، وتَفْصِيلًا في التَّفْصِيلِيِّ. انْتَهَى.