اللَّهِ؛ لأَنَّهُ أقْبَحُ القَبِيحِ وأظْلَمُ الظُّلْمِ، وَتَنَقُّصٌ لربِّ العالمينَ، وَصَرْفُ خَالِصِ حَقِّهِ لغيرِهِ؛ وَعَدْلُ غيرِهِ بِهِ، كما قالَ تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] ؛ ولأَنَّهُ مناقِضٌ للمقصودِ بالْخَلْقِ والأَمْرِ، مُنَافٍ لهُ مِن كلِّ وَجْهٍ. وذلكَ غايَةُ المعانَدَةِ لربِّ العالمينَ، والاسْتِكْبَارِ عنْ طاعَتِهِ والذُّلِّ لهُ والانْقِيادِ لأَوَامِرِهِ الذي لا صلاحَ للعَالَمِ إلَّا بذلكَ، فمَتَى خلا مِنهُ خَرِبَ وقَامَت القِيامَةُ، كما قالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ ) )، رواهُ مسلِمٌ. ولأنَّ الشركَ تَشْبيهٌ للمخلوقِ بالخالِقِ -تعالَى وَتَقَدَّسَ- في خصائِصِ الإِلَهِيَّةِ؛ مِنْ مِلْكِ الضَّرِّ والنَّفْعِ، والعطاءِ والمنْعِ، الذي يُوجِبُ تَعَلُّقَ الدعاءِ والخوفِ والرجاءِ والتوكُّلِ وأنواعِ العبادَةِ كلِّهَا باللَّهِ تعالَى وحدَهُ. فمَنْ علَّقَ ذلكَ بمخلُوقٍ فقَد شَبَّهَهُ بالخالِقِ، وجَعَلَ مَنْ لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضُرًّا ولا نَفْعًا ولا مَوْتًا ولا حياةً ولا نُشُورًا، شبيهًا بِمَنْ لهُ الحمدُ كلُّهُ، ولهُ الخلْقُ كلُّهُ، ولَهُ المُلْكُ كلُّهُ، وبِيَدِهِ الخيرُ كُلُّهُ, وإليهِ يَرْجِعُ الأمرُ كلُّهُ؛ فَأَزِمَّةُ الأمورِ كلِّها بيَدِهِ سبحانَهُ ومَرْجِعُها إليهِ، فما شاءَ كانَ وما لمْ يَشَأْ لمْ يَكُنْ. لا مانِعَ لما أَعْطَى وَلَا مُعْطيَ لما منَعَ، الذي إذا فَتَحَ للناسِ رحْمَةً فلا مُمْسِكَ لها، ومَا يُمْسِكْ فلا مُرْسِلَ لهُ مِنْ بَعْدِهِ، وهوَ العزيزُ الحكيمُ. فأَقْبَحُ التشبيهِ تشبيهُ العاجِزِ الفقيرِ بالذَّاتِ بالقادِرِ الغَنِيِّ بالذاتِ. ومِنْ خصائِصِ الإلَهِيَّةِ: الكمالُ المُطْلَقُ منْ جميعِ الوجوهِ، الذي لا نَقْصَ فيهِ بوجْهٍ من الوجوهِ. وذلكَ يُوجِبُ أنْ تَكونَ العِبادةُ كلُّها لَهُ وحْدَهُ، والتعظيمُ والإِجْلالُ، والخَشْيَةُ والدعاءُ، والرجاءُ والإنابةُ، والتوكُّلُ والتوبةُ والاسْتِعَانَةُ، وغايَةُ الحبِّ معَ غايَةِ الذُّلِّ؛ كلُّ ذلكَ يَجِبُ عَقْلًا وشَرْعًا وفِطْرَةً أنْ يكونَ للَّهِ وحْدَهُ، ويَمْتَنِعُ عَقْلًا وَشَرْعًا وفِطْرَةً أنْ يكونَ لِغَيْرِهِ. فمَنْ فَعَلَ شيئًا مِنْ ذلكَ لِغَيْرِهِ فقدْ شَبَّهَ ذلكَ الغيرَ بمَنْ لا شَبِيهَ لَهُ ولَا مِثلَ لهُ، ولا نِدَّ لهُ، وذلكَ أقبحُ التشْبِيهِ وأبْطَلُهُ. فلهذِهِ الأمورِ وغيرِها أخبَرَ سبحانَهُ وتعالى أَنَّهُ لا يَغْفِرُهُ، معَ أَنَّهُ كتَبَ على نفْسِهِ الرَّحْمَةَ، هذا معنى كلامِ ابنِ القَيِّمِ رحِمَهُ اللَّهُ تعالَى.
وفي الآيَةِ ردٌّ على الخوارِجِ المُكَفِّرينَ بالذُّنُوبِ، وعلى المعتَزِلَةِ القائِلِينَ بأنَّ أصحابَ الكبَائِرِ يُخَلَّدونَ في النَّارِ، ولَيْسُوا عندَهم بمؤْمِنينَ ولا كُفَّارٍ.
ولا يجوزُ أن يُحْمَلَ قولُهُ: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) ، على التائبِ؛ فإنَّ التائِبَ مِن الشِّرْكِ مُغْفُورٌ لَهُ كَمَا قالَ تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزُّمَر: 53] . فهنا عمَّ وأَطْلَقَ؛ لأنَّ المرادَ بِهِ التائِبُ، وهناكَ خَصَّ وعَلَّقَ؛ لأنَّ المرادَ بِهِ مَنْ لمْ يَتُبْ. هذا مُلَخَّصُ قولِ شيخِ الإسلامِ.
(2) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وقالَ الخليلُ عليهِ السلامُ: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] .
الصَّنَمُ: ما كانَ مَنْحُوتًا على صُورَةٍ، والوَثَنُ مَا كانَ مَنْحُوتًا على غيرِ ذلكَ. ذكَرَهُ الطَّبَرِيُّ عنْ مُجَاهِدٍ.
قُلْتُ: وقدْ يُسَمَّى الصنمُ وَثَنًا كمَا قالَ الخليلُ عليهِ السلامُ: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} [العنكبوت: 17] . ويُقَالُ: إنَّ الوَثَنَ أَعَمُّ، وهوَ قَوِيٌّ؛ فالأصنامُ أوْثَانٌ، كمَا أنَّ القُبُورَ أَوْثَانٌ.
قولُهُ: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ) ؛ أي: اجْعَلْنِي وبَنِيَّ في جانِبٍ عنْ عِبَادَةِ الأصنامِ، وبَاعِدْ بينَنا وبينَها. وقد اسْتَجَابَ اللَّهُ تعالَى دُعَاءَهُ، وجَعَلَ بَنِيهِ أنْبياءَ، وجنَّبَهم عبادةَ الأصنامِ. وقدْ بيَّنَ ما يُوجِبُ الخوفَ منْ ذلكَ بقولِهِ: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ} [إبراهيم: 36] ؛ فإنَّهُ هو الواقِعُ في كلِّ زَمَانٍ. فإذا عَرَفَ الإنسانُ أنَّ كثيرًا وَقَعُوا في الشِّرْكِ الأكْبَرِ وضَلُّوا بعبادَةِ الأصنامِ؛ أَوْجَبَ ذلكَ خوفَهُ مِنْ أنْ يَقَعَ فيما وقَعَ فيهِ الكثيرُ مِن الشِّركِ الذي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ.
قالَ إبراهيمُ التَّيْمِيُّ: ومَنْ يَأَمَنُ البلاءَ بعدَ إبراهيمَ؟ رَوَاهُ ابنُ جَرِيرٍ وابنُ أَبِي حَاتِمٍ.
فلا يَأْمَنُ الوقوعَ في الشركِ إلَّا مَنْ هوَ جاهِلٌ بهِ وبما يُخَلِّصُهُ منهُ؛ مِن العِلْمِ باللَّهِ وبما بعَثَ بهِ رسولَهُ منْ توحيدِهِ، والنهيِ عن الشركِ بهِ.