(أحدُها) : فِعْلُهُ.
(والثاني) : عَدَمُ مَحَبَّتِهِ،
(والثالثُ) : الثناءُ على مَنْ تَرَكَهُ،
(والرَّابعُ) : النهيُ عنهُ. ولا تعارُضَ بينَها بِحَمْدِ اللَّهِ؛ فإنَّ فِعْلَهُ له يَدُلُّ على جَوَازِهِ، وعَدَمَ مَحَبَّتِهِ لا يَدُلُّ على المنْعِ منهُ، وأمَّا الثناءُ على تارِكِهِ فيدُلُّ على أنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى وأفْضَلُ، وأمَّا النَّهْيُ فعَلَى سبيلِ الاخْتِيارِ والكَرَاهَةِ.
وقولُهُ: (وَلَا يَتَطَيَّرُونَ) ؛ أيْ: لا يَتَشَاءَمُونَ بالطُّيُورِ ونَحْوِها. وسيأتي إنْ شاءَ اللَّهُ تعالَى بيانُ الطِّيَرَةِ وما يَتَعَلَّقُ بِها في بابِها.
قولُهُ: (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) . ذكَرَ الأصْلَ الجامِعَ الذي تَفَرَّعَتْ عنهُ هذهِ الأفعالُ والخِصالُ؛ وهوَ التَّوَكُّلُ على اللَّهِ، وصِدْقُ الالْتِجاءِ إليهِ، والاعْتِمَادُ بالقَلْبِ عليهِ؛ الَّذِي هوَ نهايَةُ تَحْقِيقِ التوحيدِ الذي يُثْمِرُ كُلَّ مقامٍ شريفٍ؛ من المحبةِ والرجاءِ والخوفِ، والرِّضَا بهِ رَبًّا وإِلَهًا، والرِّضَا بقضائِهِ.
واعْلَمْ أنَّ الحديثَ لا يَدُلُّ على أَنَّهُم لا يُبَاشِرونَ الأسبابَ أَصْلًا؛ فإنَّ مُبَاشَرَةَ الأسْبَابِ في الجُمْلَةِ أَمْرٌ فِطْرِيٌّ ضروريٌّ، لا انْفِكَاكَ لأحدٍ عنهُ، بلْ نفسُ التوكُّلِ: مُبَاشَرَةٌ لأعْظَمِ الأسبابِ، كمَا قالَ اللهُ تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطَّلاق: 3] ؛ أيْ: كَافِيهِ. وإنَّما المرادُ أَنَّهُم يَتْرُكُونَ الأُمُورَ المكروهَةَ معَ حاجَتِهِم إليها؛ تَوَكُّلًا على اللَّهِ تعالى، كالِاكْتِوَاءِ والِاسْتِرْقَاءِ، فتَرْكُهُمْ لَهُ؛ لِكَوْنِهِ سببًا مَكْرُوهًا، لا سيَّما والمريضُ يَتَشَبَّثُ فيما يَظُنُّهُ سببًا لشفائِهِ بِخَيْطِ العَنْكَبوتِ.
وأمَّا مباشرةُ الأسبابِ والتَّدَاوِي على وجْهٍ لا كَراهِيَةَ فيهِ؛ فغيرُ قادِحٍ في التوكُّلِ. فلا يكونُ ترْكُهُ مَشْرُوعًا؛ لما في الصحيحيْنِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: (( مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ دَاءٍ إلَّا أَنْزَلَ لهُ شِفاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ ) ). وعنْ أُسَامَةَ بنِ شَرِيكٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَاءَتِ الْأَعْرَابُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَتَدَاوَى؟ قَالَ: (( نَعَمْ يا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ ) )، قَالُوا: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: (( الْهَرَمُ ) )) رواهُ أحمدُ.
قالَ ابنُ القَيِّمِ رحِمَهُ اللَّهُ تعالى: وقدْ تَضَمَّنَتْ هذهِ الأحاديثُ إثباتَ الأسبابِ والمسبَّبَاتِ، وإبطالَ قولِ مَنْ أنْكَرَها، والأمرَ بالتَّدَاوِي، وأَنَّهُ لا يُنَافِي التوكُّلَ، كما لا يُنَافِيهِ دَفْعُ أَلَمِ الجوعِ والعَطَشِ والحَرِّ والبَرْدِ بِأَضْدَادِهَا، بلْ لا تَتِمُّ حقيقةُ التوحيدِ إِلَّا بِمُبَاشَرَةِ الأسبابِ التي نَصَبَها اللَّهُ تعالى مُقْتَضِيَةً لمسبَّبَاتِها قَدَرًا وشَرْعًا، وأنَّ تَعْطِيلَها يَقْدَحُ في نفسِ التَّوَكُّلِ، كما يَقْدَحُ في الأمرِ والحكمةِ، ويُضْعِفُهُ مِنْ حيثُ يَظُنُّ مُعَطِّلُهَا أنَّ تَرْكَها أقْوَى في التوكُّلِ؛ فَإِنَّ تَرْكَهَا عَجْزٌ يُنَافِي التوكُّلَ الذي حقيقتُهُ اعْتِمَادُ القَلْبِ على اللَّهِ تعالى في حُصُولِ ما يَنْفَعُ العبْدَ في دينِهِ ودُنْيَاهُ، ودفعِ ما يضُرُّهُ في دينِهِ ودُنْيَاهُ. ولا بُدَّ معَ هذا الاعتمادِ مِنْ مُبَاشَرَةِ الأسبابِ، وإلَّا كانَ مُعَطِّلًا للحِكْمَةِ والشَّرْعِ، فلا يَجْعَلُ العَبْدُ عَجْزَهُ تَوَكُّلًا، ولا تُوَكُّلَهُ عَجْزًا.
وقد اخْتَلَفَ العُلَماءُ في التَّداوي، هلْ هوَ مُبَاحٌ وتَرْكُهُ أفْضَلُ، أوْ مُسْتَحَبٌّ أوْ واجِبٌ؟
فالمشهورُ عنْ أحمدَ الأوَّلُ؛ لهذا الحديثِ وما في معناهُ. والمشهورُ عندَ الشافعيَّةِ الثاني، حتَّى ذَكَرَ النَّوَوِيُّ في شرْحِ مُسْلِمٍ، أَنَّهُ مَذْهَبُهم ومذهبُ جمهورِ السَّلَفِ وعامَّةِ الخَلَفِ، واخْتَارَهُ الوزيرُ أبو المُظَفَّرِ قالَ: ومذهبُ أبي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مُؤَكَّدٌ حتَّى يُدَانِيَ بهِ الوجوبَ. قالَ: ومَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يَسْتَوي فِعْلُهُ وتَرْكُهُ؛ فإنَّهُ قالَ: لا بَأْسَ بالتَّدَاوِي، ولا بأسَ بتَرْكِهِ.
وقالَ شيخُ الإسلامِ: ليسَ بواجِبٍ عندَ جَمَاهِيرِ الأَئِمَّةِ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ طائِفَةٌ قَلِيلَةٌ مِنْ أصحابِ الشَّافِعِيِّ وأَحْمَدَ.
فقولُهُ: (فَقَامَ عُكَّاشَةُ بنُ مِحْصَنٍ) ، هوَ بِضَمِّ العَيْنِ وتشديدِ الكافِ. ومِحْصَنٌ بِكَسْرِ الميمِ وسُكُونِ الحاءِ وفَتْحِ الصادِ المُهْمَلَتَيْنِ، ابنُ حُرْثَانَ - بضمِّ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ الرَّاءِ بعدَها مُثَلَّثَةٌ - الأَسَدَيُّ؛ مِنْ بَنِي أَسَدِ بنِ خُزَيْمَةَ. كانَ من السابقينَ إلى