فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 339

وَأَدْعُو رَبِّي إلى قَوْلِهِ: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} [مَرْيَم: 48 - 49] . فهذا هو تَحْقِيقُ التوحيدِ، وهوَ البَراءَةُ من الشركِ وأهلِهِ واعْتِزَالُهم؛ والكفرُ بِهِم، وعداوتُهم وبُغْضُهم. فاللَّهُ المُسْتَعَانُ.

قَالَ المُصَنِّفُ رحِمَهُ اللَّهُ في هذهِ الآيَةِ: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} ؛ لِئَلَّا يَسْتَوْحِشَ سالِكُ الطريقِ مِنْ قِلَّةِ السالِكِينَ، (قَانِتًا لِّلَّهِ) ؛ لا للمُلُوكِ ولَا للتُّجَّارِ المُتْرَفِينَ، (حَنِيفًا) ؛ لا يَمِيلُ يَمِينًا ولا شِمَالًا، كَفِعْلِ العُلَمَاءِ المفْتُونينَ، (وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ) ؛ خِلافًا لِمَنْ كَثُرَ سَوَادُهُم وزَعَمَ أَنَّهُ مِن المسلمينَ. انتهَى.

وقدْ رَوَى ابْنُ أبي حَاتِمٍ عَن ابنِ عبَّاسٍ في قولِهِ تعالَى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} . على الإسلامِ، ولمْ يكُ في زمانِهِ أحدٌ على الإسلامِ غيرُهُ.

قُلْتُ: ولا مُنَافَاةَ بينَ هذا وبينَ ما تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ كانَ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ في الخَيْرِ.

قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالَى: وقالَ تعالَى: {وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون:59] . وَصَفَ المؤمنينَ السابِقِينَ إلى الجنَّةِ فأَثْنَى عليهمْ بالصِّفاتِ التي أعظَمُها أَنَّهُم بِربِّهِم لا يُشْرِكُونَ. ولَمَّا كانَ المرءُ قدْ يَعْرِضُ لَهُ ما يَقْدَحُ في إسْلامِهِ مِنْ شِرْكٍ جَلِيٍّ أَوْ خَفِيٍّ، نفَى ذلكَ عنهم. وهذا هوَ تَحقيقُ التوحيدِ، الذي حَسُنَتْ بهِ أعْمَالُهم وَكَمُلَتْ ونَفَعَتْهم.

قُلْتُ: قولُهُ: (حَسُنَتْ وَكَمُلَتْ) ، هذا باعتبارِ سلامَتِهم مِن الشركِ الأَصْغَرِ. وأمَّا الشركُ الأَكْبَرُ فَلا يُقالُ في تَرْكِهِ ذلكَ، فَتَدَبَّرْ. ولوْ قالَ الشَّارِحُ: صحَّتْ لَكَانَ أَقْوَمَ.

قالَ ابنُ كثَيِرٍ: (وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ) ؛ أيْ: لا يَعْبُدُونَ مَعَ اللَّهِ غيرَهُ، بلْ يُوَحِّدُونَهُ ويَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا إلهَ إلَّا اللَّهُ أحدٌ صَمَدٌ، لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً ولا وَلَدًا، وأَنَّهُ لَا نَظِيرَ لَهُ.

(2) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالَى: (عَنْ حُصَيْنِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى الكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ البَارِحَةَ؟ فَقُلْتُ: أَنَا، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ في صَلَاةٍ، وَلَكِنِّي لُدِغْتُ، قَالَ؟ فَمَاذا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: ارْتَقَيْتُ، قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعْبِيُّ، قَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمْ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بنِ الْحُصَيْبِ أَنَّهُ قَالَ:"لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ"، قَالَ: قَدْ أَحْسَنَ مَن انْتَهَى إِلى مَا سَمِعَ، وَلكِنْ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:(( عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ. إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ وَمَعَهُم سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ ) ).

ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَخَاضَ النَّاسُ في أُولَئِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُم: فَلَعَلَّهُم الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ بَعْضُهُم: فَلَعَلَّهُم الَّذِينَ وُلِدُوا في الإِسْلَامِ فَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا. وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ. فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: (( هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) ). فَقَامَ عُكَّاشَةُ بنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: (( أَنْتَ مِنْهُمْ ) ). ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: (( سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ ) ).

هكذا أَوْرَدَهُ المُصَنِّفُ غيرَ مَعْزُوٍّ. وقدْ رَوَاهُ البُخاريُّ مُخْتَصَرًا ومُطَوَّلًا، ومُسْلِمٌ واللَّفْظُ لَهُ، والتِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ.

قولُهُ: (عَنْ حُصَيْنِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ؛ هوَ السَّلَمِيُّ، أَبُو الْهُذَيْلِ الكُوفِيُّ، ثِقَةٌ، مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وثلاثينَ ومِائَةٍ، ولَهُ ثلاثٌ وتِسْعُونَ سَنَةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت