2 باب
مَنْ حَقَّقَ التوحيدَ دَخَلَ الجنّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ
وقولُ اللهِ تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ] النحل:120[.
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ} (1) ]المؤمنون:59 [.
وَعَنْ حُصَينِ بنِ عَبْدِ الرَّحمنِ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بنِ جُبيْرٍ فَقَالَ: أيُّكُمْ رَأَى الكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ البارِحَةَ؟ فقُلْتُ: أَنا، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إنِّي لَمْ أَكُنْ في صلاةٍ ولكنِّي لُدِغْتُ، قالَ: فَمَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: ارْتَقَيْتُ، قالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذلِكَ؟ قُلْتُ: حَديثٌ حَدَّثَناهُ الشَّعْبيُّ، قالَ: وَما حَدَّثَكُمْ؟ قُلْتُ: حَدَّثنا عَنْ بُريْدَةَ بنِ الحُصَيْبِ أنهُ قالَ: (( لا رُقْيَةَ إلا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ ) ).
قالَ: قَدْ أحْسَنَ مَنِ انتَهى إِلى ما سَمِعَ؛ وَلَكِنْ حَدّثنا ابنُ عبّاسٍ عَنِ النَّبيِّ صلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قال: (( عُرِضَتْ عَلَيَّ الأمَمُ، فرأيتُ النَّبيَّ ومعَهُ الرَّهطُ، والنَّبيَّ ومعَهُ الرجلُ والرجلانِ، والنَّبيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحدٌ، إِذْ رُفِعَ لي سَوادٌ عَظيمٌ، فَظنَنْتُ أنَّهم أُمَّتي، فقِيلَ لي: هَذا مُوسى وقَوْمُهُ، فَنَظَرْتُ فَإذا سَوادٌ عَظيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِه أُمَّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الجنّةَ بِغَيرِ حِسابٍ وَلا عَذابٍ ) ).
ثُمَّ نَهَضَ فدخلَ مَنْزِلَهُ، فَخاضَ النَّاسُ في أُولئكَ، فقالَ بَعْضُهُم: فَلَعلَّهمَ الّذينَ صَحِبوا رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقَال بَعضُهُم: فلَعلَّهُمُ الّذين وُلِدوا فِي الإسلامِ فَلَمْ يُشْرِكُوا بالله شَيْئًا، وَذَكَروا أَشياءَ.
فَخَرَجَ عَلَيْهِم رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَروهُ، فقالَ: (( هُمُ الذينَ لا يَسترْقونَ، ولا يكْتَوون، ولا يتَطَيَّرونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) ).
فَقَامَ عُكَّاشةُ بنُ مِحْصنٍ فقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَني مِنهُمْ، فقال: (( أَنْتَ مِنْهُم ) )، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخرُ فقالَ: ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَني مِنْهُم، فقالَ: (( سبَقَكَ بِها عُكَّاشَةُ ) ) (2) .
فِيهِ مَسائل:
الأولى: مَعْرِفَةُ مَراتِبِ النَّاسِ فِي التَّوحيدِ.
الثَّانيةُ: مَا مَعْنَى تَحْقيقهِ.
الثالثةُ: ثَناؤُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى إِبْراهيمَ بِكَوْنِهِ لَمْ يَكُ مِنَ المشْرِكِين.
الرَّابِعةُ: ثَناؤُهُ عَلَى سَاداتِ الأَوْلياءِ بِسَلامَتِهِمْ مِنَ الشِّركِ.
الخامسة: كَوْن تَرْكِ الرُّقْيَةِ وَالكَيّ مِنْ تَحْقيقِ التَّوحيدِ.
السَّادِسةُ: كَوْنُ الجَامِعِ لِتِلْكَ الخِصَالِ هُوَ التَّوكُّلُ.
السّابعة: عُمْقُ عِلْمِ الصَّحابَةِ لِمَعْرِفَتِهِمْ أَنّهُمْ لَمْ يَنالُوا ذَلِكَ إِلا بِعَمَل.
الثامنة: حِرْصُهُم عَلَى الخَيْرِ.
التاسعة: فَضِيلة هَذِهِ الأُمَّة بِالكَمِّيةِ والكَيْفِيَّةِ.