فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 339

وفي هذا الحديثِ: كَثْرَةُ ثَوابِ التَّوحيدِ، وسَعَةُ كَرَمِ اللَّهِ وجُودِهِ ورَحْمَتِهِ، والردُّ عَلَى الخَوارِجِ الذينَ يُكَفِّرُونَ المسلمَ بالذُّنُوبِ، وعَلَى المعتزلةِ القَائِلِينَ بالمَنْزِلَةِ بينَ المنزلَتَيْنِ، وهيَ الفُسُوقُ، ويَقُولونَ: لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ ولَا كَافرٍ ويُخَلَّدُ في النَّارِ. والصوابُ قولُ أَهْلِ السُّنَّةِ: إنَّهُ لا يُسْلَبُ عنهُ اسمُ الإيمانِ، ولَا يُعْطَاهُ عَلَى الإطْلَاقِ، بَلْ يُقالُ: هوَ مؤمنٌ عاصٍ، أوْ مُؤْمِنٌ بإيمانِهِ، فَاسِقٌ بكَبِيرَتِهِ.

وعَلَى هَذَا يَدُلُّ الكتابُ والسُّنَّةُ وإجماعُ سَلَفِ الأمَّةِ.

وعنْ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (( لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، فَأُعْطِيَ ثَلَاثًا: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، وَخَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا المُقْحِمَاتُ ) )، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

قَالَ ابنُ كَثيرٍ في تَفْسيرِهِ: وأَخْرَجَ الإمامُ أَحْمَدُ والترمذيُّ وابنُ ماجَةَ والنَّسائِيُّ, عنْ أَنَسِ بنِ مالكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} ، [المُدَّثِّر: 56] ، وَقَالَ: (( قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى فَلَا يُجْعَلُ مَعِيَ إِلَهٌ، فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِيَ إِلَهًا كَانَ أَهْلًا أَنْ أَغْفِرَ لَهُ ) ).

قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: تَأَمَّل الْخَمْسَ اللَّوَاتِي في حَديثِ عُبادَةَ، فإنَّكَ إذا جَمَعْتَ بَيْنَهُ وبَيْنَ حديثِ عِتْبانَ تبيَّنَ لكَ مَعْنَى قولِ: (لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ) ، وتَبَيَّنَ لَكَ خَطَأُ المَغْرُورِينَ.

وفيهِ أنَّ الأَنبياءَ يَحْتَاجُونَ للتَّنْبِيهِ عَلَى فَضْلِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ، والتَّنْبِيهِ لِرُجْحَانِها بِجَمِيعِ المخلوقاتِ، مَعَ أنَّ كثيرًا مِمَّنْ يَقولُها يَخِفُّ مِيزَانُهُ. وفيهِ إِثْباتُ الصفاتِ خِلَافًا للمُعَطِّلَةِ. وفيهِ أنَّكَ إذا عَرَفْتَ حَديثَ أنسٍ عَرَفْتَ أنَّ قوْلَهُ في حديثِ عِتْبَانَ: (( إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ ) )، أَنَّه تَرْكُ الشِّرْكِ, لَيْسَ قَوْلَها باللسانِ فقطْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت