فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 339

ذَكَرَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ الجُمْلَةَ الأخِيرَةَ مِن الحديثِ، وقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِتَمَامِهِ فَقَالَ: عنْ أنسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: (( قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالى: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلَا أُبَالِي. يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي. يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي ... ) )الحديثَ.

التِّرْمِذِيُّ: اسْمُهُ مُحَمَّدُ بنُ عِيسَى بنِ سَوْرَةَ - بِفَتْحِ المُهْمَلَةِ - ابنِ موسَى بنِ الضَّحَّاكِ السُّلَمِيُّ أبو عِيسَى، صَاحبُ الجَامِعِ وأَحَدُ الحُفَّاظِ، كَانَ ضَريرَ البَصَرِ، رَوَى عنْ قُتَيْبَةَ وَهَنَّادٍ والبخاريِّ وَخَلْقٍ. مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وسَبْعِينَ ومائَتَيْنِ.

وأَنَسٌ: هوَ ابنُ مالكِ بنِ النَّضْرِ الأنصاريُّ الخَزْرَجِيُّ؛ خَادِمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خَدَمَهُ عَشْرَ سِنِينَ، وقَالَ لهُ: (( اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ ) ). مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، وقيلَ: ثَلَاثٍ وتِسْعِينَ، وقَدْ جَاوَزَ المِائَةَ.

وقَدْ رَوَاهُ الإمَامُ أحمدُ مِنْ حَديثِ أَبِي ذَرٍّ بِمَعْناهُ، وهذَا لَفْظُهُ: (( وَمَنْ عَمِلَ قُرَابَ الْأَرْضِ خَطِيئَةً ثُمَّ لَقِيَنِي لَا يُشْرِكُ بِي جَعَلْتُ لَهُ مِثْلَهَا مَغْفِرَةً ) )، ورَوَاهُ مُسْلمٌ، وأَخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قولُهُ: (لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ) . بضَمِّ القافِ، وقيلَ: بكَسْرِها، والضَّمُّ أَشْهَرُ، وهوَ مِلْؤُها أوْ مَا يُقَارِبُ مِلْئَهَا.

قولُهُ: (ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا) . شَرْطٌ ثَقِيلٌ فِي الوَعْدِ بِحُصُولِ المَغْفِرَةِ، وهوَ السَّلَامةُ مِن الشِّرْكِ؛ كَثيرِهِ وقَلِيلِهِ، صَغِيرِه وكَبِيرِه. ولَا يَسْلَمُ مِنْ ذلكَ إلَّا مَنْ سَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى، وذلكَ هوَ القلبُ السليمُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 89] .

قالَ ابنُ رَجَبٍ: مَنْ جَاءَ مَعَ التوحيدِ بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايا لَقِيَهُ اللَّهُ تعالى بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً، إلى أَنْ قَالَ: فإنْ كَمُلَ توحيدُ العبدِ وإِخْلَاصُهُ للَّهِ تَعَالَى فيهِ، وقَامَ بشُرُوطِهِ بقَلْبِهِ ولِسَانِه وجَوَارِحِهِ، أوْ بِقَلْبِهِ ولِسَانِهِ عندَ الموتِ، أَوْجَبَ ذلكَ مَغْفِرَةَ مَا قَدْ سَلَفَ مِن الذُّنوبِ كُلِّها، وَمَنَعَهُ مِنْ دُخولِ النَّارِ بالكُلِّيَّةِ. فمَنْ تَحَقَّقَ بكَلِمَةِ التوحيدِ قَلْبُهُ أَخْرَجَتْ منهُ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ تعالى مَحَبَّةً وتَعْظِيمًا وإِجْلَالًا ومَهَابَةً وخَشْيَةً وتَوَكُّلًا. وحينَئذٍ تُحْرَقُ ذُنُوبُهُ وخَطَايَاهُ كلُّها وإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ. انتهى. مُلَخَّصًا.

قَالَ العَلَّامةُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في مَعْنَى الحديثِ: ويُعْفَى لأهلِ التوحيدِ المَحْضِ الذي لمْ يَشُوبُوهُ بالشِّرْكِ مَا لَا يُعْفَى لِمَنْ لَيْسَ كَذِلكَ. ولوْ لَقِيَ المُوَحِّدُ الذي لمْ يُشْرِكْ باللَّهِ شيئًا الْبَتَّةَ رَبَّهُ بِقُرابِ الأرْضِ خَطَايَا أَتَاهُ بِقُرَابِهَا مغفرةً، ولَا يَحْصُلُ هذا لِمَنْ نَقَصَ توحيدُهُ؛ فإنَّ التوحيدَ الخَالِصَ الذي لَا يَشُوبُهُ شِرْكٌ لَا يَبْقَى مَعَهُ ذَنْبٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ وإِجْلَالِهِ وتَعْظِيمِهِ وخَوْفِهِ ورَجَائِهِ مَا يُوجِبُ غَسْلَ الذُّنُوبِ ولوْ كَانَتْ قُرابَ الأرْضِ، فالنَّجَاسَةُ عَارِضَةٌ والدَّافِعُ لَهَا قَوِيٌّ. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت