قولُهُ: (في كِفَّةٍ) ، هوَ بكَسْرِ الكافِ وتَشْدِيدِ الفاءِ، أيْ: كِفَّةِ المِيزَانِ.
قولُهُ: (مَالَتْ بِهِنَّ) ، أيْ: رَجَحَتْ. وذلكَ لِمَا اشْتَمَلَتْ عليهِ مِنْ نفيِ الشركِ وتوحيدِ اللَّهِ، الذي هوَ أَفْضَلُ الأعمالِ وأساسُ المِلَّةِ والدِّينِ، فَمَنْ قَالَها بإخْلَاصٍ ويَقِينٍ وعَمِلَ بِمُقْتَضَاهَا ولَوَازِمِها وحُقُوقِهَا، واسْتَقَامَ عَلَى ذَلِكَ، فهذِهِ الحَسَنَةُ لَا يُوازِنُها شيءٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف: 13] .
ودَلَّ الحديثُ عَلَى أنَّ (لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ) أَفْضَلُ الذِّكْرِ، كحديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو مَرْفُوعًا: (( خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ). رَوَاهُ أحمدُ والتِّرْمِذيُّ.
وعنهُ أيضًا مَرْفُوعًا: (( يُصَاحُ بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِنْهَا مَدُّ البَصَرِ، ثُمَّ يُقَالُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: أَلَكَ عُذْرٌ أَوْ حَسَنَةٌ؟ فَيَهَابُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لَا، فَيُقَالُ: بَلَى، إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ، فَيُخْرِجُ لَهُ بِطَاقَةً فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ؟ فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ، فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ في كِفَّةٍ، وَالبِطَاقَةُ في كِفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ ) ). رَوَاهُ التِّرْمِذيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسَائِيُّ وابنُ حِبَّانَ والحاكمُ وقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي تَلْخِيصِهِ: صَحِيحٌ.
قَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: فالأعمالُ لَا تَتَفَاضَلُ بصُوَرِهَا وعَدَدِها، وإنَّما تَتَفَاضَلُ بِتَفَاضُلِ مَا فِي القُلُوبِ، فتكُونُ صورةُ العَمَلَيْنِ واحِدَةً، وبينَهُمَا مِن التَّفاضُلِ كَمَا بينَ السماءِ والأرضِ، قَالَ: تَأَمَّلْ حديثَ البطاقةِ التي تُوضَعُ في كِفَّةٍ، ويُقَابِلُها تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سِجِلًّا، كلُّ سِجِلٍّ منها مَدُّ البصرِ، فَتَثْقُلُ البطاقةُ وتَطِيشُ السِّجِلَّاتُ، فَلَا يُعَذَّبُ. ومَعْلُومٌ أنَّ كلَّ مُوَحِّدٍ لهُ هذهِ البطاقةُ، وكثيرٌ منْهُم يَدْخُلُ النَّار بِذُنُوبِهِ.
قولُهُ: (رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ والحاكمُ) ، ابنُ حِبَّانَ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بنُ حِبَّانَ - بكسْرِ المُهْمَلَةِ وتَشْدِيدِ المُوَحَّدَةِ - ابنِ أحمدَ بنِ حِبَّانَ بنِ مُعَاذٍ، أبو حاتمٍ التَّمِيمِيُّ البُسْتِيُّ الحافظُ صاحبُ التَّصانِيفِ، كالصَّحِيحِ، والتاريخِ، والضُّعفاءِ، والثِّقَاتِ، وغيرِ ذلكَ. قَالَ الحَاكمُ: كَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ العِلْمِ في الفِقْهِ واللُّغَةِ والحديثِ والوَعْظِ، ومِنْ عُقَلَاءِ الرِّجَالِ. مَاتَ سَنَةَ أربعٍ وخمسينَ وثَلَاثِمِائَةٍ بِمَدِينةِ بُسْتَ، بِسُكُونِ المُهْمَلَةِ.
وأمَّا الحاكمُ فاسْمُهُ مُحمَّدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُوريُّ أبو عبدِ اللَّهِ الحَافِظُ، ويُعْرَفُ بِابْنِ الْبَيِّعِ، وُلِدَ سَنَةَ إحْدَى وعشرينَ وثَلَاثِمِائَةٍ، وصَنَّفَ التَّصَانيفَ، كالمُسْتَدْرَكِ وتَارِيخِ نَيْسَابُورَ وغَيْرِها، ومَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وأرْبَعِمائةٍ.
(5) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ، عَنْ أنسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:(( قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً ) ).