فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 339

قالَ القُرْطُبِيُّ في تَذْكِرَتِهِ: قولُهُ في الحديثِ: (( مِنْ إِيمَانٍ ) )، أيْ: مِنْ أَعْمَالِ الإيمانِ التي هيَ مِنْ أَعْمَالِ الجَوَارِحِ. فيكونُ فيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أنَّ الأعْمَالَ الصَّالِحَةَ مِن الإيمانِ. والدَّليلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بالإيمانِ مَا قُلْناهُ، ولم يُرِدْ مُجَرَّدَ الإيمانِ الذي هوَ التَّوْحيدُ ونَفْيُ الشُّرَكَاءِ والإِخْلَاصُ بقولِهِ: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، مَا في الحَديثِ نَفْسِهِ مِنْ قولِهِ: (( أَخْرِجُوا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَقْبِضُ سُبْحَانَهُ قَبْضَةً فَيُخْرِجُ قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ ) )، يُرِيدُ بذلكَ إلا التَّوْحيدَ المُجَرَّدَ مِن الأَعْمَالِ. انتهى مُلَخَّصًا مِنْ شَرْحِ سُنَنِ ابنِ مَاجَةَ.

(4) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: وعنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ، قَالَ: قُلْ يَا مُوسَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونُ هَذَا، قَالَ: يَا مُوسَى، لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي وَالْأَرَضِينَ في كِفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ في كِفَّةٍ، مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) )، رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ والحَاكِمُ وصَحَّحَهُ.

أبو سَعِيدٍ: اسْمُهُ سَعْدُ بنُ مالكِ بنِ سِنَانِ بنِ عُبَيْدٍ الأنْصارِيُّ الخَزْرَجِيُّ، صَحَابِيٌّ جَليلٌ وأَبُوهُ كذلكَ. اسْتُصْغِرَ أبو سعيدٍ بِأُحُدٍ، وشَهِدَ مَا بَعْدَها. مَاتَ بالمَدِينَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ وسِتِّينَ. وقيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وسبعينَ.

قولُهُ: (أَذْكُرُكَ) ، أيْ: أُثْنِي عَلَيْكَ، (وَأَدْعُوكَ) ، أيْ: أَسْأَلُكَ بِهِ.

قولُهُ: (قُلْ يَا مُوسَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ، فيهِ أنَّ الذَاكِرَ يَقُولُها كُلَّهَا، ولَا يَقْتَصِرُ عَلَى لفظِ الجَلَالَةِ، ولَا على (هُو) ، كَمَا يَفْعَلُهُ غُلَاةُ جُهَّالِ المُتَصَوِّفَةِ؛ فإنَّ ذلكَ بِدْعَةٌ وضَلَالةٌ.

قولُهُ: (كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونُ هَذَا) ، ثَبَتَ بِخَطِّ المُصَنِّفِ بالجَمْعِ، والذي في الأُصُولِ (يقولُ) بالإِفْرَادِ مُرَاعَاةً للَفْظَةِ (كلِّ) ، وهوَ في المُسْنَدِ مِنْ حَديثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو بلفظِ الجمعِ كَمَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ عَلَى مَعْنَى (كُلِّ) ، ومَعْنَى: (كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونُ هَذَا) ، إِنَّما أُرِيدُ شَيْئًا تَخُصُّنِي بهِ منْ بَيْنِ عُمُومِ عِبَادِكَ. وفِي رِوَايَةٍ بعدَ قولِهِ: (( كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونُ هَذَا، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ يَا رَبِّ، إِنَّمَا أُرِيدُ شَيْئًا تَخُصُّنِي بِهِ ) ).

ولَمَّا كَانَ بالناسِ - بلْ بالعالَمِ كُلِّهِ - مِن الضَّرُورَةِ إِلَى (لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ) ما لَا نِهَايةَ لهُ، كَانَتْ مِنْ أَكْثَرِ الْأَذْكارِ وجُودًا، وأَيْسَرِها حُصُولًا، وأَعْظَمِها مَعْنًى. والعَوَامُّ والجُهَّالُ يَعْدِلُونَ عنها إلى الدَّعَوَاتِ المُبْتَدَعَةِ التي ليْسَتْ في الكتابِ ولَا في السُّنَّةِ.

قولُهُ: (وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي) ، هوَ بالنَّصْبِ عَطْفٌ على السماواتِ، أيْ: لوْ أنَّ السماواتِ السبعَ ومَنْ فيهنَّ مِن العُمَّارِ غيرَ اللَّهِ تَعَالَى، والأرَضينَ السبعَ ومَنِ فيهِنَّ، وُضِعُوا في كِفَّةِ الميزانِ، ولَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ في الكِفَّةِ الأُخْرَى، مَالَت بِهِنَّ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ.

ورَوَى الإمامُ أحمدُ عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أَنَّ نُوحًا قَالَ لِابْنِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ: آمُرُكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالأَرَضِينَ السَّبْعَ لَوْ وُضِعَتْ في كِفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ في كِفَّةٍ، رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالأَرَضِينَ السَّبْعَ كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً قَصَمَتْهُنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت