فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 339

اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: 65] ، فأَجَابُوا رَدًّا عليهِ بِقَوْلِهِم: {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} [الأعراف: 70] ، وقَالَ تَعَالَى: {ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الحجّ: 62] .

فَتَضَمَّنَ ذلكَ نَفْيَ الإلَهِيَّةِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ، وهيَ العِبَادَةُ، وإِثْباتَهَا للهِ وحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. والقرآنُ مِنْ أوَّلِهِ إلى آخرِهِ يُبَيِّنُ هذا ويُقَرِّرُهُ ويُرْشِدُ إليهِ.

فالعِبَادَةُ بِجَمِيعِ أَنْواعِها إنَّما تَصْدُرُ عنْ تَأَلُّهِ القلبِ بِالْحُبِّ والخُضُوعِ والتذلُّلِ رَغَبًا وَرَهَبًا. وهذا كُلُّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا تَقَدَّمَ في أَدِلَّةِ هذا البابِ ومَا قَبْلَهُ، فَمَنْ صَرَفَ مِنْ ذلكَ شيئًا لغيرِ اللَّهِ فَقَد جَعَلَهُ نِدًّا للَّهِ، فَلَا يَنْفَعُهُ مَعَ ذلكَ قولٌ ولَا عَمَلٌ.

(ذِكْرُ كَلَامِ العُلَمَاءِ في مَعْنَى الإلهِ) :

قَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ ابنِ عَبَّاسٍ، وقَالَ الوزيرُ أبو المُظَفَّرِ في الإفْصاحِ: قولُهُ: (شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ) ، يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ عَالِمًا بأَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ} ، قالَ: واسمُ (اللَّهِ) مرتفعٌ بعدَ (إِلَّا) مِنْ حيثُ إنَّهُ الواجبُ لهُ الإلهيَّةُ، فَلَا يَسْتَحِقُّها غَيْرُهُ سُبْحَانَهُ.

قالَ: وجُمْلَةُ الفائدَةِ في ذلكَ: أنْ تَعْلَمَ أنَّ هذِهِ الكلمةَ مُشْتَمِلَةٌ على الكفرِ بالطاغوتِ والإيمَانِ باللَّهِ، فإنَّكَ لَمَّا نَفَيْتَ الإلهيَّةَ وأَثْبَتَّ الإيجَابَ للَّهِ تعالى كُنْتَ مِمَّنْ كَفَرَ بالطَّاغُوتِ وآمَنَ باللَّهِ.

وقَالَ في البَدَائِعِ رَدًّا لقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ المُسْتَثْنَى مُخْرَجٌ مِن المنفيِّ، قَالَ: بَل هوَ مُخْرَجٌ مِن المنفيِّ وحُكْمِهِ، فَلَا يكونُ داخِلًا في المنفيِّ؛ إذ لوْ كانَ كذلكَ لم يَدْخُلِ الرَّجُلُ في الإسلَامِ بقولِ: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ؛ لأَنَّهُ لمْ يُثْبِت الإلَهِيَّةَ للَّهِ تَعَالَى، وهذهِ أعْظَمُ كَلِمَةٍ تَضَمَّنَتْ نَفْيَ الإلَهِيَّةِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ، وإِثْباتَهَا لهُ بِوَصْفِ الاخْتِصاصِ، فَدَلَالَتُها عَلَى إِثْباتِ إلَهِيَّتِهِ أعْظمُ مِنْ دَلَالَةِ قَوْلِنَا: (اللَّهُ إِلَهٌ) ، ولَا يَسْتَرِيبُ أَحَدٌ في هذا الْبَتَّةَ، انتهى بمعناهُ.

[قُلْتُ: ولا رَيْبَ أنَّه لَمْ يَدْخُلْ في المَنْفَيِّ أَصْلًا؛ لأنَّ المُرادَ مِن هذه الكلمةِ: إفرادُه تعالى بالإلهيَّةِ في قَلْبِ المُوَحِّدِ وقولِهِ وعملِهِ، كَمَا دَلَّت عليه الآياتُ المُحْكَماتُ، كَمَا أَخْبَرَ عن دَعْوةِ رُسلِهِ {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [المؤمنون: 32] فنَفَوْا الإلهيَّةَ عمَّا سِوَى اللهِ تعالى، وأَثْبَتُوها لِلَّهِ وَحْدَه.

فإنَّه تعالى هو المُتَّصِفُ بِتَفَرُّدِهِ بالإلهيَّةِ أَزَلًا وأَبَدًا؛ كَمَا قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ} [الأعراف: 70] .

أَرادُوا أن يُدْخِلُوه في جُملةِ آلهتِهم في العبادةِ، وأَنْكَرُوا أن تَكونَ العِبادةُ له وَحْدَه، مع معرفتِهم أنَّ: لا إلهَ إلَّا اللهُ تُبْطِلُ ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت