فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 339

وتَسْوِيةُ آلهتِهم بِاللهِ في العبادةِ: هو الشِّركُ الأَكْبَرُ، الذي يُوجِبُ الْخُلودَ في النَّارِ. فالمُوَحِّدُ مُخالِفٌ للمُشْرِكِ في قولِهِ وفعلِهِ ونيَّتِهِ. وهذا ظاهرٌ لا خَفاءَ بِهِ، بِحَمْدِ اللهِ]

وقالَ أبو عبدِ اللَّهِ القرطبيُّ في تفسيرِ (لَا إِلَهَ إلَّا هُوَ) ، أيْ: لَا مَعْبُودَ إلَّا هوَ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الإلَهُ مِنْ أَسْماءِ الأجْنَاسِ، كالرَّجُلِ والفَرَسِ، يَقَعُ عَلَى كُلِّ مَعْبُودٍ بِحَقٍّ أوْ باطِلٍ، ثُمَّ غُلِّبَ عَلَى المَعْبودِ بِحَقٍّ.

قَالَ شَيخُ الإسْلَامِ: الإلَهُ هوَ المَعْبودُ المُطَاعُ؛ فإنَّ الإلَهَ هوَ المأْلُوهُ، والمأْلُوهُ هوَ الذي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، وكَوْنُهُ يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ هوَ بما اتَّصَفَ بِهِ مِن الصِّفاتِ التي تَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ هوَ المَحْبوبَ غَايَةَ الْحُبِّ، المَخْضُوعَ لَهُ غَايَةَ الخُضُوعِ، وقَالَ رَحِمَه اللهُ تعالى: فإنَّ الإلَهَ هوَ المَحْبوبُ المعبودُ الذي تَأْلَهُهُ القُلُوبُ بِحُبِّهَا، وتَخْضَعُ لَهُ وتَذِلُّ لهُ، وتَخَافُهُ وترجُوهُ، وتُنِيبُ إليهِ في شَدَائِدِها، وتَدْعُوهُ في مَهَمَّاتِها، وتَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ في مَصَالِحِهَا، وتَلْجَأُ إليهِ وتَطْمَئِنُّ بِذِكْرِهِ، وتَسْكُنُ إلى حُبِّهِ، ولَيْسَ ذلكَ إِلَّا للَّهِ وحدَهُ؛ ولِهَذا كَانَتْ (لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ) أَصْدَقَ الكَلَامِ، وكانَ أَهْلُها أَهْلَ اللَّهِ وحِزْبَه، والمُنْكِرُونَ لَهَا أَعدَاءَهُ، وأهلَ غَضَبِهِ ونِقْمَتِهِ، فإذا صَحَّتْ صَحَّ بِهَا كُلُّ مَسْأَلَةٍ وحالٍ وذَوْقٍ، وإذا لمْ يُصَحِّحْها العَبْدُ فالفَسَادُ لَازِمٌ لَهُ في عُلُومِهِ وأَعْمَالِهِ.

وقالَ ابنُ القَيِّمِ: (الإلَهُ) هوَ الذي تَأْلَهُهُ القُلُوبُ مَحَبَّةً وإِجْلَالًا وَإِنَابَةً، وإِكْرَامًا وتَعْظِيمًا، وذُلًّا وخُضُوعًا، وخَوْفًا ورجاءً، وتَوَكُّلًا.

وقالَ ابنُ رَجَبٍ: (الإلهُ) هوَ الذي يُطاعُ فَلَا يُعْصَى؛ هيبةً لهُ وإجلالًا، ومَحَبَّةً وخَوْفًا ورَجَاءً، وتَوَكُّلًا عَلَيْهِ، وسُؤَالًا منهُ ودُعاءً لهُ، ولَا يَصْلُحُ ذلك كُلُّهُ إلَّا للَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَمَنْ أَشْرَكَ مَخْلُوقًا فِي شَيْءٍ مِنْ هذِهِ الأُمُورِ التي هيَ مِنْ خَصَائِصِ الإلَهِيَّةِ كَانَ ذلكَ قَدْحًا في إِخْلَاصِهِ في قَوْلِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ، وكَانَ فيهِ مِنْ عُبُودِيَّةِ المَخْلُوقِ بِحَسَبِ مَا فيهِ مِنْ ذلكَ.

وَقَالَ الْبِقَاعِيُّ: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أي: انْتَفَى انْتِفَاءً عَظِيمًا أنْ يَكُونَ مَعْبودٌ بِحَقٍّ غَيْرَ المَلِكِ الأَعْظَمِ؛ فإِنَّ هذَا العِلْمَ هوَ أَعْظَمُ الذِّكْرَى المُنْجِيةِ مِنْ أهوالِ الساعةِ، وإنَّما يَكُونَ عِلْمًا إذا كانَ نافعًا، وإنَّما يَكُونُ نَافِعًا إذا كَانَ مَعَ الإذْعَانِ والعَمَلِ بِمَا تَقْتَضِيهِ، وإِلَّا فَهُوَ جَهْلٌ صِرْفٌ.

وقَالَ الطَّيِّبِيُّ: (الإلهُ) فِعَالٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، كَالْكِتَابِ بمعنَى المكتوبِ، مِنْ: أَلَهَ إِلَهَةً، أيْ: عَبَدَ عِبَادَةً. قَالَ الشَّارِحُ: وهذا كَثْيرٌ في كَلَامِ العُلَماءِ وإِجْمَاعٌ منْهُم.

قال الشَّارحُ: وهذا كثيرٌ في كلامِ العُلماءِ، وإِجْماعٌ منهم أنَّ الإلهَ هو المَعْبُودُ، خِلافًا لِمَا يَعْتَقِدُه عُبَّادُ القُبورِ وجَهَلةُ المُتَكَلِّمِينَ، من أنَّ مَعْناه: هو الخَالقُ والقادرُ على الاخْتراعِ، ونحوَ ذلك. ويَظُنُّون أنَّهم إذا قالُوها فقد أَتَوْا من التَّوحيدِ بالغايةِ القُصْوَى، ولو فَعَلُوا ما فَعَلُوا من عِبادةِ غيرِ اللهِ كَدَعْوةِ الأَمْواتِ، والاسْتِغاثةِ بهم في الكُرُباتِ والنَّذْرِ في المُلِمَّاتِ، إلى غيرِ ذلك مِن أنواعِ العِباداتِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت