اللَّهِ وسَلَامُهُ عَلَيْهِ بأنَّ الظُّلْمَ الرَّافِعَ للأمْنِ والهدايةِ على الإطلاقِ هوَ الشرْكُ. وهذا واللَّهِ هوَ الجَوابُ الذي يَشْفِي العَلِيلَ، ويَرْوِي الغَلِيلَ؛ فإنَّ الظُّلمَ المُطْلَقَ التامَّ هوَ الشَّرْكُ، الذي هوَ وَضْعُ العِبَادَةِ في غَيرِ مَوْضِعِها، والأمنُ والهُدَى المطلقُ هو الأمنُ في الدُّنيا والآخِرَةِ والهُدَى إلى الصراطِ المستقيمِ، فالظُّلمُ المُطْلَقُ التامُّ رافعٌ للأمْنِ والهدى المُطْلَقِ التامِّ، ولا يَمْنَعُ أنْ يكونَ مطلقُ الظلمِ مانعًا مِنْ مُطْلَقِ الأمْنِ ومُطْلَقِ الهُدَى، فَتَأَمَّلْهُ، فالمُطْلَقُ للمُطْلَقِ، والحِصَّةُ للحِصَّةِ. انتهى مُلَخَّصًا.
(2) قال المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالى: (وعنْ عُبَادةَ بنِ الصامتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(( مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، والجنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ ) )أَخْرَجَاهُ).
عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ بنِ قَيْسٍ الأنصارِيُّ الخَزْرَجِيُّ أبو الوليدِ، أَحَدُ النُّقَبَاءِ، بَدْرِيٌّ مشهورٌ ماتَ بالرَّمْلَةِ سَنَةَ أربعٍ وثلاثينَ ولهُ اثنتانِ وسبعونَ سَنَةً؛ وقِيلَ: عَاشَ إِلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قولُهُ: (مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ، أيْ: مَنْ تَكَلَّمَ بها عارفًا لمَعْنَاهَا، عَامِلًا بِمُقْتَضَاهَا باطنًا وظاهرًا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [مُحَمَّد: 19] ، وقوْلِهِ: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزُّخْرُف: 86] .
أمَّا النُّطْقُ بها مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ لمَعْنَاهَا ولَا يقينٍ ولَا عَمَلٍ بِمَا تَقْتَضِيهِ مِن نفيِ الشِّرْكِ وإخْلَاصِ القَوْلِ والعَمَلِ؛ قولِ القَلْبِ واللِّسانِ، وعَمَلِ القلبِ والجَوارِحِ، فَغَيْرُ نَافِعٍ بالإجْمَاعِ.
قالَ في المُفْهِمِ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ: بابُ لا يَكْفِي مُجَرَّدُ التلَفُّظِ بالشَّهَادَتَيْنِ؛ بلْ لَا بُدَّ مِن اسْتِيقَانِ القَلْبِ. هذهِ التَّرْجَمَةُ تَنْبِيهٌ عَلَى فَسَادِ مَذْهَبِ المُرْجِئَةِ القَائِلِينَ بأنَّ التلَفُّظَ بالشهادَتَيْنِ كافٍ في الإيمانِ. وأحادِيثُ هذا البابِ تَدُلُّ على فَسَادِهِ، بلْ هوَ مَذْهَبٌ مَعْلومُ الفَسَادِ مِن الشَّرِيعَةِ لِمَنْ وَقَفَ عليها، ولأنَّهُ يَلْزَمُ منهُ تَسْوِيغُ النِّفَاقِ والحُكْمُ للمنافقِ بالإيمانِ الصَّحيحِ، وهوَ بَاطِلٌ قَطْعًا، انتهى.
وفي هذا الحديثِ مَا يَدُلُّ على هذا، وهوَ قولُهُ: (مَنْ شَهِدَ) ؛ فإنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَصْلُحُ إلَّا إذا كَانَتْ عنْ عِلْمٍ ويقينٍ.
قالَ النَّوَوِيُّ: هذا حديثٌ عظيمٌ جليلُ المَوْقِعِ، وهو أَجْمَعُ - أوْ مِنْ أَجْمَعِ - الأحاديثِ المُشْتَمِلَةِ عَلَى العقائدِ؛ فإنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ فيهِ مَا يُخْرِجُ مِنْ مِلَلِ الكُفْرِ على اختلافِ عقائدِهِم وتَبَاعُدِهَا، فاقْتَصَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذهِ الأَحْرُفِ على ما يُبَايِنُ بِهِ جَمْيعَهُم، انتهى.
ومعنى (لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ) أي: لَا مَعْبُودَ حَقٌّ إلَّا اللَّهُ، وهوَ في مَواضِعَ مِن القرآنِ، ويأتيكَ في قَوْلِ الْبِقَاعِيِّ صَرِيحًا.
قولُهُ: (وَحْدَهُ) ، تأكيدٌ للإثْباتِ، (لَا شَرِيكَ لَهُ) تأكيدٌ للنَّفْيِ، قَالَهُ الحافِظُ، كَمَا قالَ تَعَالَى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] ، وقالَ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] ، وقالَ: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا