وعنْ عُمَرَ أَنَّهُ فَسَّرَهُ بالذَّنْبِ، فيكونُ المعنى: الأَمْنُ مِنْ كلِّ عَذَابٍ، وقالَ الحَسَنُ والكَلْبِيُّ: " أُولَئِكَ لَهُم الْأَمْنُ فِي الْآخِرَةِ، وهُم مُهْتَدُونَ في الدُّنيا ".
قالَ شيخُ الإسلامِ: والذِين شَقَّ علَيْهِم ظَنُّوا أنَّ الظُّلْمَ المشروطَ هوَ ظُلْمُ العَبْدِ نَفْسَهُ، وأَنَّهُ لَا أَمْنَ ولَا اهتداءَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، فَبَيَّنَ لهُم النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما دَلَّهُم عَلَى أنَّ الشِّركَ ظُلْمٌ في كِتَابِ اللَّهِ، فَلَا يَحْصُلُ الأمْنُ والاهتداءُ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَلْبِسْ إيمانَهُ بظُلْمٍ، فإنَّ مَنْ لَمْ يَلْبِسْ إيمانَهُ بهذا الظلمِ كانَ مِنْ أَهْلِ الأمْنِ والاهتداءِ، كَمَا كانَ مِنْ أهلِ الاصْطِفَاءِ في قولِهِ تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} الآيةَ، [فاطر: 32] ، وهذا لا يَنْفِي أن يُؤَاخَذَ أَحَدُهُم بظُلْمِهِ لنَفْسِهِ بذَنْبٍ إذا لمْ يَتُبْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزَّلْزَلَة: 6 - 7] ، وقَدْ سَأَلَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنا لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا؟ فقالَ: (( يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَسْتَ تَنْصَبُ؟ أَلَسْتَ تَحْزَنُ؟ أَلَيْسَ يُصِيبُكَ اللَّأْوَاءُ؟ فَذَلِكَ مَا تُجْزَوْنَ بِهِ ) )، فبيَّنَ أنَّ المؤمنَ الذي إذا ماتَ دَخَلَ الجنَّةَ قَدْ يُجْزَى بِسَيِّئاتِهِ في الدُّنيا بالمَصائبِ.
قال: فمَنْ سَلِمَ مِنْ أجناسِ الظُّلْمِ الثلاثةِ؛ الشركِ، وظُلْمِ العبادِ، وظُلْمِهِ لنَفْسِهِ بِمَا دُونَ الشركِ، كانَ لهُ الأمنُ التَّامُّ والاهتداءُ التَّامُّ. ومَنْ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ ظُلْمِهِ لنَفْسِهِ، كانَ لهُ الأمنُ والاهتداءُ مُطْلَقًا، بمعنى أَنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَدْخُلَ الجنَّةَ كَمَا وُعِدَ بذلكَ في الآيةِ الأُخْرَى، وقدْ هَدَاهُ اللَّهُ إلى الصِّراطِ المُسْتقيمِ الذي تكونُ عاقِبَتُهُ فيهِ إلى الجَنَّةِ، ويَحْصُلُ لهُ مِنْ نَقْصِ الأمنِ والاهتداءِ بِحَسَبِ مَا نَقَصَ مِنْ إِيمَانِهِ بِظُلْمِهِ لِنَفْسِهِ، لَيْسَ مُرَادُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقولِهِ: (( إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ ) )، أنَّ مَنْ لمْ يُشْرِك الشِّرْكَ الأَكْبَرَ يَكُنْ لهُ الأمْنُ التَّامُّ والاهْتدَاءُ التَّامُّ؛ فإنَّ أَحَادِيثَهُ الكَثيرَةَ مَعَ نُصوصِ القُرْآنِ تُبَيِّنُ أنَّ أَهْلَ الكَبَائرِ مُعَرَّضُونَ للخَوْفِ؛ لَمْ يَحْصُلْ لَهُم الأمنُ التَّامُّ والاهتداءُ التامُّ الذِي يكونُونَ بِهِ مُهْتَدِينَ إلى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ؛ صراطِ الذينَ أَنْعمَ اللَّهُ عليْهِم، مِنْ غيرِ عذابٍ يَحْصُلُ لهُم. بلْ مَعَهُمْ أصلُ الاهْتداءِ إلى هذا الصِّرَاطِ؛ ومعَهُم أَصْلُ نِعْمَةِ اللَّهِ عليهم، ولَا بُدَّ لَهُم مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ.
وقولُهُ: (إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ) ، إنْ أرادَ الأكبرَ فمقصودُهُ: أنَّ مَنْ لمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ فهوَ آمِنٌ مِمَّا وُعِدَ بهِ المُشْرِكونَ مِنْ عذابِ الدُّنيا والآخِرَةِ، وإنْ كَانَ مُرَادُهُ جِنْسَ الشِّرْكِ، فيُقَالُ: ظُلْمُ العَبْدِ لنَفْسِهِ، كَبُخْلِهِ لِحُبِّ المَالِ ببَعْضِ الواجِبِ، هوَ شِرْكٌ أَصْغَرُ، وحُبُّهُ مَا يَبْغَضُهُ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى يُقَدِّمَ هَوَاهُ عَلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ شِرْكٌ أَصْغَرُ، ونحوَ ذلكَ. فهذا فَاتَهُ مِن الأمنِ والاهْتِداءِ بِحَسَبِهِ؛ ولهذا كَانَ السَّلَفُ يُدْخِلُونَ الذنبَ في هذَا الشرْكِ بهذا الاعتبارِ، انتهى مُلَخَّصًا.
وقالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: قولُهُ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} ، قالَ الصَّحابَةُ: وَأَيُّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ قَالَ: (( ذَلِكَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ العَبْدِ الصَّالِحِ: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ؟ ) )، فلَمَّا أَشْكَلَ عليهم المرادُ بالظُّلمِ فَظَنُّوا أنَّ ظُلْمَ النَّفْسِ دَاخِلٌ فيهِ، وأنَّ مَنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ أيَّ ظُلْمٍ كَانَ لمْ يكُنْ آمِنًا ولا مُهْتَدِيًا، أَجَابَهُم صَلَواتُ