وهذا الأثرُ رواهُ الترمذيُّ وحَسَّنَهُ، وابنُ المُنْذِرِ وابنُ أَبِي حَاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ بنحوِهِ. وسَبَبُ هذا القَوْلِ- واللهُ أَعْلَمُ- مَا رَوَاه البُخَارِيُّ في (صحيحِهِ) عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَجَعُه، قال: (( ائْتُونِي بِكِتابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتابًا لا تَخْتَلِفُوا بَعْدَهُ ) ). قال عُمَرُ:"إنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَلَبَهُ الوَجَعُ! وعندَنا كِتابُ اللهِ حَسْبُنا"، فاخْتَلَفُوا وكَثُرَ اللَّغَطُ، قال: (( قُومُوا عَنِّي ولا يَنْبَغِي عِنْدِيَ التَّنَازُعُ ) ). فَخَرَجَ ابنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ:"إنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حالَ بينَ رَسُولِ اللهِ وبينَ كِتابِهِ". فَقَالَ ابنُ مَسْعودٍ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إلى وَصِيَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ التي عَلَيْها خاتَمُه ... الحديثَ. وقالَ بعضُهم: معناهُ: مَنْ أَرَادَ أنْ يَنْظُرَ إلى الوصيَّةِ التي كَأنَّها كُتِبَتْ وخُتِمَ علَيْهَا فلمْ تُغَيَّرْ ولم تُبَدَّلْ فَلْيَقْرَأْ: {قُلْ تَعالَوْا} إلى آخرِ الآياتِ، شبَّهَها بالكتابِ الذي كُتِبَ ثمَّ خُتِمَ فلمْ يُزَدْ فِيهِ ولَمْ يُنْقَصْ؛ فإنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمْ يُوصِ إلَّا بكتابِ اللَّهِ تعالى، كما قالَ فيما رَوَاهُ مسلمٌ: (( وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كَتابَ اللَّهِ ) ).
وقدْ رَوَى عُبادةُ بنُ الصامتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَيُّكُمْ يُبايِعُنِي عَلَى هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ؟ ) )ثُمَّ تَلا قَوْلَهُ: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} حَتَّى فَرَغَ مِن الثَّلَاثِ الآياتِ، ثُمَّ قَالَ: (( مَنْ وَفَّى بِهِنَّ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنِ انْتَقَصَ مِنْهُنَّ شَيْئًا فَأَدْرَكَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا كَانَتْ عُقوبَتَهُ، وَمَنْ أَخَّرَهُ إِلَى الْآخِرَةِ كَانَ أَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ آخَذَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ ) )، رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ والحاكمُ، وصَحَّحَهُ، ومُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ في الاعْتِصَامِ.
قُلْتُ: ولأنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمْ يُوصِ أُمَّتَهُ إلَّا بما وصَّاهُم به اللَّهُ تعالى عَلَى لِسانِهِ، وفي كِتَابِهِ الذي نَزَّلَهُ {تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89] ، وهذهِ الآياتُ وَصِيَّةُ اللَّهِ تَعَالَى ووَصِيَّةُ رسولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(5) قال المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تَعالَى: قَولُهُ: (وَعَنْ مُعاذِ بنِ جَبَلٍ قالَ: (كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علَى حِمَارٍ، فَقَال لِي:(( يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ ) )قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أعَلْمُ، قَالَ: (( حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ: أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيئًا ) )، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: (( لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا ) )، أَخْرَجَاهُ في الصَّحِيحَيْنِ.
هذا الحَدِيثُ في الصَّحيحَيْنِ مِنْ طُرُقٍ، وفي بعضِ رواياتِهِ نَحْوٌ مِمَّا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ.
و (مُعاذٌ) هوَ: ابنُ جبلِ بنِ عمرِو بنِ أَوْسٍ الأنصاريُّ الخَزْرَجِيُّ أبو عبدِ الرَّحْمَنِ؛ صحابِيٌّ مشهورٌ مِنْ أَعْيَانِ الصحابةِ، شَهِدَ بدرًا وما بَعْدَها، وكانَ إليهِ المُنْتَهَى في العِلْمِ والأحكامِ والقرآنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مُعَاذٌ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمَامَ الْعُلَمَاءِ بِرَتْوَةٍ) ، أيْ: بِخَطْوَةٍ، قَالَ في القَامُوسِ: وَالرَّتْوةُ الخَطْوَةُ وشَرَفٌ من الأرضِ، وسُوَيْعَةٌ من الزمانِ، والدَّعْوَةُ، والْقطْرَةُ، وَرَمْيَةٌ بسهمٍ، أوْ نَحْوُ مِيلٍ، أوْ مَدَى البصرِ، والرَّاتِي العَالِمُ الرَّبَّانِيُّ. انتهى.