فيهِ. فأَمَرَ باتِّباعِ طَرِيقِهِ الذي طَرَقَهُ على لسانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وشَرَعَهُ، ونهايتُهُ الجنَّةُ، وتَشَعَّبَتْ منهُ طُرُقٌ، فمَنْ سَلَكَ الجادَّةَ نَجَا، ومَنْ خَرَجَ إلى تلكَ الطُّرُقِ أَفْضَتْ بهِ إلى النارِ. قالَ اللَّهُ تعالى: (وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) ، أيْ: تَمِيلَ. انتهى.
وروَى أحمدُ والنَّسَائِيُّ والدَّارِميُّ وابنُ أبي حاتمٍ والحَاكِمُ، وصَحَّحَهُ، ورَوَاه مُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في (كتابِ الاعتصامِ) بسَنَدٍ صحيحٍ عن ابنِ مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: (( هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيمًا ) )، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِ ذَلِكَ الخَطِّ وَعَن شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: (( وَهَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلَّا وَعَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ ) ). ثُمَّ قَرَأَ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} .
وعنْ مجاهدٍ: ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ، قالَ: الْبِدَعَ والشَّهَوَاتِ.
قالَ العلامةُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: وَلْنَذْكُرْ في الصراطِ المستقيمِ قَوْلًا وَجِيزًا؛ فإنَّ الناسَ قدْ تَنَوَّعَتْ عبارَاتُهم عنهُ بِحَسَبِ صِفَاتِهِ ومُتَعَلَّقَاتِهِ، وحَقِيقَتُهُ شَيْءٌ واحدٌ، وهوَ طريقُ اللَّهِ الذي نَصَبَهُ لعبادِهِ مُوصِلًا لَهُمْ إليهِ، ولا طريقَ إليهِ سِوَاهُ، بل الطُّرُقُ كلُّها مَسدُودَةٌ عَلَى الخلقِ إلَّا طَريقَهُ الذي نَصَبَهُ على أَلْسُنِ رُسُلِهِ، وجَعَلَهُ مُوصِلًا لعبادِهِ إليه، وهوَ إفرادُهُ بالعبادةِ، وإفرادُ رُسُلِهِ بالطَّاعَةِ، فَلَا يُشْرِكُ بِهِ أحدًا في عبوديَّتِهِ، ولا يُشْرِكُ برسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحدًا في طاعَتِهِ. فَيُجَرِّدُ التوحيدَ، ويُجَرِّدُ متابعةَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا كلُّهُ مضمونُ شهادةِ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللَّهِ. فأيُّ شيءٍ فُسِّرَ بِهِ الصراطُ المستقيمُ فهوَ داخلٌ في هذيْنِ الأصلَيْنِ. ونُكْتَةُ ذلكَ أنْ تُحِبَّهُ بِقَلْبِكَ وتُرْضِيَهُ بِجُهْدِكَ كُلِّهِ، فَلَا يكونُ في قَلْبِكَ موضعٌ إلَّا معمورًا بِحُبِّهِ، ولا يكونُ لكَ إرادةٌ إلَّا مُتَعَلِّقَةً بِمَرْضَاتِهِ.
فالأوَّلُ يَحْصُلُ بتحقيقِ شَهَادَةِ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، والثاني يَحْصُلُ بتحقيقِ شهادَةِ أنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللَّهِ. وهذا هوَ الهُدَى ودِينُ الحَقِّ، وهوَ مَعْرِفَةُ الحَقِّ والعَمَلُ بِهِ، وهوَ معرفةُ ما بَعَثَ اللَّهُ بهِ رَسولَهُ والقيامُ بهِ، فقُلْ ما شِئْتَ مِن العباراتِ التي هذا آخِيَّتُهَا وقُطْبُ رَحَاهَا.
قالَ: وقالَ سَهْلُ بنُ عبدِ اللَّهِ: علَيْكُمْ بالأَثَرِ والسُنَّةِ؛ فإِنِّي أخافُ أنَّهُ سيَأْتِي عنْ قليلٍ زمانٌ إذا ذَكَرَ إنسانٌ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والاقْتِدَاءَ بِهِ في جميعِ أحوالِهِ ذَمُّوهُ ونَفَرُوا عَنْهُ وتَبَرَّءُوا منهُ وأَذَلُّوهُ وأهانُوهُ.
(4) قال المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالى: قولُهُ: قالَ ابنُ مَسْعودٍ: مَنْ أَرادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلى وَصِيَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي عَلَيها خَاتَمُهُ فَليَقْرَأْ قولَهُ تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} إلى قولِهِ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} الآيةَ.
قولُهُ: (ابنُ مَسْعودٍ) ، هوَ عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودِ بنِ غَافِلِ - بِمُعْجَمَةٍ وَفَاءٍ - ابنِ حَبِيبٍ الْهُذَلِيُّ أبو عبدِ الرَّحْمَنِ، صحابِيٌّ جَليلٌ مِن السابقينَ الأوَّلِينَ من أهلِ بدْرٍ وأُحُدٍ والخَنْدقِ وبيَعَةِ الرِّضْوانِ، ومِنْ كِبارِ عُلماءِ الصَّحابَةِ، أمَّرَهُ عُمَرُ عَلَى الكوفةِ، ومَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وثَلَاثِينَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.