فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 339

الخَالِقُ الرَّازِقُ المُنْعِمُ المُتَفَضِّلُ عَلَى خَلْقِهِ في جَمِيعِ الحَالَاتِ، وهوَ المُسْتَحِقُّ منهم أنْ يُوَحِّدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بهِ شيئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ. انتهى.

وهذِهِ الآيةُ هيَ التي تُسَمَّى آيةَ الحُقُوقِ العَشْرَةِ، وفي بعضِ النُّسَخِ المُعْتَمَدةِ مِنْ نُسَخِ هذا الكِتَابِ تَقدِيمُ هذِهِ الآيةِ عَلَى آيةِ الأنْعامِ، ولهذا قَدَّمْتُها لِمُناسَبَةِ كَلَامِ ابنِ مسعودٍ الآتي لآيةِ الأنعامِ؛ ليكونَ ذِكْرُهُ بعدَها أنْسَبَ.

(3) قال المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تَعالَى: وقولِهِ: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ والْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَو كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .] الأنعامُ:151 - 153 [.

قَالَ العِمَادُ ابنُ كثيرٍ: يَقُولُ تَعَالَى لنبيِّهِ ورَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قُلْ) لهؤلاءِ المُشْرِكِينَ الذينَ عَبَدُوا غَيرَ اللَّهِ، وحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُم اللَّهُ: (تَعَالَوْا) ، أيْ: هَلُمُّوا وأَقْبِلُوا، (أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) أَقُصُّ علَيْكُم حقًّا، لا تَخَرُّصًا ولا ظنًّا، بلْ وَحْيًا منهُ وأمرًا مِنْ عِندِهِ، (أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) ، وكأنَّ في الكَلَامِ مَحْذُوفًا دَلَّ عليهِ السياقُ تَقْدِيرُهُ: وصَّاكُمْ ألَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا؛ ولهذَا قَالَ في آخِرِ الآيةِ: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ} ، انتهى.

قُلْتُ: فيكونُ المعنى: حرَّمَ عليْكُم مَا وصَّاكُمْ بتَرْكِهِ مِن الإشْرَاكِ بِهِ.

وفي المُغْنِي لابنِ هشامٍ في قولِهِ تعالى: (أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) ، سبعةُ أَقْوالٍ، أَحْسَنُها: هذا الذي ذَكَرَهُ ابنُ كثيرٍ، ويَلِيهِ: أُبَيِّنُ لَكُمْ ذلكَ؛ لِئَلَّا تُشْرِكُوا، فَحُذِفَت الجُمْلَةُ مِنْ أَحَدِهما، وهيَ (وَصَّاكُمْ) ، وحَرْفُ الجَرِّ وما قَبْلَهُ مِن الأُخْرَى. ولهذا إذا سُئِلُوا عَمَّا يَقولُ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: يَقولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُم، كما قالَ أبو سُفْيانَ لِهِرَقْلَ، وهذا هوَ الذي فَهِمَ أبو سفيانَ وغيْرُهُ منْ قولِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ: (( قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، تُفْلِحُوا ) ).

قولُهُ: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ، قالَ الْقُرْطُبِيُّ: الإحسانُ إلى الوالدَيْنِ بِرُّهُمَا، وحِفْظُهما، وصيانَتُهما، وامتثالُ أمْرِهما، وإزالةُ الرقِّ عنْهُما، وتَرْكُ السَّلْطَنَةِ عليْهِمَا، و (إِحْسانًا) نُصِبَ عَلَى المصدريَّةِ، وناصبُهُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ مِنْ لفظِهِ تقديرُهُ: وأَحْسِنُوا بِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا.

وقولُهُ: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) ، الإمْلَاقُ: الفَقْرُ، أيْ: لا تَئِدُوا بَنَاتِكُمْ خَشْيةَ العَيْلَةِ والفقرِ؛ فإنِّي رازِقُكُم وإيَّاهُمْ، وكانَ منهم مَنْ يَفْعلُ ذلكَ بالإناثِ والذُّكورِ خَشْيَةَ الفقرِ، ذَكَرَهُ القرطبيُّ.

وفي الصَّحيحَيْنِ عن ابنِ مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قُلْتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قالَ: (( أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ ) )، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قالَ: (( أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ ) )، قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: (( أَنْ تُزَانِيَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت