فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 339

وقولُهُ: (وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ، أيْ: وقَضَى أنْ تُحْسِنُوا بالوالدَيْنِ إحسانًا، كَمَا قَضَى بعبادتِهِ وحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَمَا قالَ تَعَالَى في الآيةِ الأُخْرَى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14] .

وقولُهُ: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا} ، أيْ: لا تُسْمِعْهُمَا قَوْلًا سيِّئًا، حتَّى ولَا التَّأْفِيفَ الذي هوَ أدْنَى مراتبِ القولِ السيِّئِ، (وَلَا تَنْهَرْهُمَا) ، أيْ: لَا يَصْدُرْ منكَ إليْهِما فِعْلٌ قَبِيحٌ، كما قالَ عطاءُ بنُ أَبِي رَباحٍ: (لَا تَنْفُضْ يَدَيْكَ عَلَى وَالِدَيْكَ) .

ولَمَّا نَهَاهُ عَن الفعلِ القبيحِ والقولِ القبيحِ أمَرَهُ بالفعلِ الحَسَنِ والقولِ الحَسَنِ، فقالَ: {وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} ، أيْ: لَيِّنًا طيِّبًا بأَدَبٍ وتوقيرٍِ.

وقولُهُ: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) ، أيْ: تَوَاضَعْ لَهُما، (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا) ، أيْ: في كِبَرِهِمَا وعِنْدَ وفاتِهِمَا، (كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) .

وقدْ وَرَدَ في بِرِّ الوَالِدَيْنِ أحاديثُ كثيرةٌ، منها: الحديثُ الْمَرْوِيُّ منْ طُرُقٍ عنْ أنسٍ وغيرِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَعِدَ الْمِنبرَ قَالَ: (( آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ ) )، فَقَالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى ما أَمَّنْتَ؟ فَقَالَ: (( أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ. ثُمَّ قَالَ: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ دَخَلَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ ثُمَّ خَرَجَ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ آمِينَ. ثُمَّ قَالَ: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ ) ).

ورَوَى الإِمامُ أحمدُ مِنْ حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا، وَلَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ ) ). قَالَ الْعِمَادُ ابنُ كثيرٍ: صَحِيحٌ مِنْ هذا الوجْهِ.

وعنْ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَلَا أُنَبِّئُكُم بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ) )، قُلْنَا: بَلَى يا رسولَ اللَّهِ، قالَ: (( الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ) )، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: (( أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ ) )، فَما زالَ يُكَرِّرُها حَتَّى قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَتَ. رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ.

وعنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( رِضَى الرَّبِّ فِي رِضَى الوَالِدَيْنِ، وَسُخْطُهُ فِي سُخْطِ الْوَالِدَيْنِ ) ).رَوَاه التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ والحاكمُ.

وعَنْ أبي أُسَيْدٍ الساعديِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عندَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ جاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِما؟ فَقَالَ: (( نَعَمْ، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا ) )، رَوَاهُ أبو داودَ وابنُ مَاجَةَ.

والأحاديثُ في هذَا المَعْنَى كثيرةٌ جدًّا.

(2) قال المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تَعالَى: وقَوْلُهُ: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] ، قالَ العمادُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى في هذِهِ الآيةِ: يَأْمُرُ تَعَالَى عَبَادَهُ بعِبَادَتِهِ وحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ فإنَّهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت