فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 9

وولى، و أقسم لو أقام حتى يدركه ومن معه من أوائل الجيش المحمدي لرشفتهم القداح، وشجرتهم الرماح وقطعتهم الصفاح، و صيرتهم كأمس الذاهب صرعى وقتلى، و لكنه فر-كما ذكرنا - فرار العبيد إذا أبقوا، و هرب عندما عاين فترة الجيش الإسلامي هرب الخونة إذا سرقوا.

ثم إنه لعنه الله خدعته نفسه اللعينة، ومنته المهينة، و اغتر بما أصاب من الإسكندرية واعتقد أن كل بيضاء شحمة، وأن كل حمراء لحمة، فطرق ثغر (اطرابلس) المحروس (في أوائل سنة تسع وستين وسبعمائة) و قد كان بعض منافقيها - ممن هو على دينه ويخادع المسلمين - أعلمه أن نائبها ليس بها، وقد عزل منها أيضًا حاجبها، وتفرق جيشها في القسم، ولم يبق منها إلا الرسم، فأقبل المدبر في شواني، مملوءة بكل لعين نصراني، (تزيد على المائة والثلاثين) فلعنة الله على من فبها أجمعين (فنازلوها) فلم يكن بها من المقاتلة من يحول بينهم وبين مقاصدهم التي حاولوها، فنفضوا إليها من المراكب، وصارت جماعتهم فيها مواكب، فعاثوا فيها فسادًا، ولكن لم يقضوا منها مرادًا، (فبينما) هم فيها، وقد حلت الكلاب في خيس الأسود، وتبدلت الوجوه المباركة النيرة بالوجوه الملعونة السود، (إذ جاءهم) جنود من (التراكمين) متراكمين، كانوا لجيش الإسلام كالكمين، (فحملوا عليهم) مكبرين، وعلت الأصوات، وارتفعت الدعوات، إلى رب الأرض والسموات، فنزل النصر، وانخفض الكفر، وانقلبوا هاربين وخرجوا منها صاغرين خاسئين خاسرين وقتل منهم المسلمون خلقًا لا يحصون، ولله الحمد والمنة.

فصل

ثم بعد ما حل بهم هذا كله من الخزي والنكال، غرتهم أمانيهم الكاذبة الخائبة والآمال، فساروا بمن بقي معهم من الجيش المخذول، والجمع المرذول، حتى نزلوا مدينة (اياس) وقد حال بينهم وبين ما حاولوه منها الياس، فقيض الله تعالى مرور بعض أمراء الإسلام هنالك، ولم يكن عنده علم بذلك - وهو المقر الشريف السيفي (منجك) المشير بتأليفه، أعز الله أنصاره، ووكل بقهر للعدا مقامه وأسفاره - فعطف عليها، فلما وصل إليها، إذ الشواني المشحونة، بالمقاتلة الملعونة، قد أحدقت بها، من ناحية بحرها، فمانعهم أعز الله أنصاره عن الوصول إلى السواحل فلم يقدر على ذلك منهم فارس ولا راجل، هذا وليس معه من مماليكه سوى خمسة وثلاثين، وجماعة دون المائتين من التراكمين، حسبما أخبرني به أدام الله عافيته، وأحسن عاقبته، آمين.

ونادى في البلد أن ترفع النساء والذرية، إلى القلعة المنصورة المحمية، فعدل جمع الفرنج المخذول عن مواجهة المقر المشار إليه إلى موضع آخر، فنفضوا إلى الساحل حيث لا يصل إليهم ركابه الشريف ثم ساروا إلى ربض البلد وحاصروا القلعة، فواقعهم أعز الله أنصاره (فكسرهم) في أماكن متعددة، ومازال مصاولًا لهم مصابرًا مرابطًا مثاغرا ً، حتى قدم (الجيش الحلبي) يقده المقر العالي السيفي (منكل بغا) في خاصة مماليكه، وأخبرني أنه حال ما وصل إليهم وجدهم ثلاثة كراديس سودًا والصلبان مرفوعة على رؤوسهم لعنهم الله، وكردوسًا آخر دونهم في السواد، وإذ هو من التراكمين المنافقين الذين يخفون الشرك، يقاتلون المسلمين معهم، (فلما تحققوا) قدوم المقر السيفي (منكل بغا) تحيزت الكراديس الأربعة المذكورة المخذولة وصارت كردوسًا واحدًا، واجتمع المقر الشريف السيفي (منجك) إلى المقر الشريف السيفي (منكل بغا) ، فأخبرني المقر السيفي (منكل بغا) أن الفرنج رشقوهم بالنبال إلى أن تواري وجه الأرض بها فلا يرى منها شيء لكثرتها، وكثرت الجروح من تلك الجروح في الجيش الإسلامي، ورشقهم المسلمون بالنبال رشقًا منكيًا حتى أن من الأمراء المسلمين من كان يرمي الفرنجي فيصيب بركبته وعليها غلاف من حديد، فينتظم الغلاف مع الركبة بسهمه، ثم انهزم الفرنج من بين أيديهم فلبسوا تلًا هناك ثم رشقوا المسلمين بالحجارة أعظم مما رشقوهم بالنبال أولًا، ثم أخذ عليهم المقر السيفي (منكل بغا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت