طريقهم إلى مركبهم وقتل شيئًا كثيرًا من خيولهم ففروا إلى البحر لا يلوي أحد منهم على أحد، فرشقهم المسلمون رشقًا عظيمًا بالنبال وقتلوا منهم خلقًا عظيمًا، وغرق منهم أكثر ممن قتل، وقتل (صاحب جزيرة رودس) وجرح (صاحب قبرس) وهلك منهم خلق كثير ورجعوا خائبين خاسرين أعظم خيبة من خيبتهم في (اطرابلس) (( وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ) ).
وكانوا حسبوا أن بجمعهم الكثير يحصلون على شيء، والقدر يتلوا عليهم مما هو محكم في كتاب الله العزيز المقتدر قوله تعالى (( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ) ).
وراموا أنهم يحصلون على شيء من تلك المعاقل والحصون (( وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ) ).
وهذه عوائد نصر الله جميع المسلمين وإن كانوا قليلًا، وما هو بأول موطن نصر الله فيه المسلمين مع قلتهم، ولكن ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا، وأنى لهم ذلك وفي كل ثغر من ثغور السواحل الإسلامية، من الجيوش السلطانية، والرحال المحمدية، الذي قد أخلص كل منهم النية، لرب البرية، أمم تحملهم على نصر الله نفوسهم الأبية، وصحبتهم ما أمر به رب الأرباب، على لسان سيد الأولين والآخرين الأعاجم و الأعارب، من إعداد العدد التي أصنافها الرماح الخطية والسيوف الهندية، والسهام المفوقة عن القسي العربية - إلى غير ذلك مما يطول وصفه، ويقرب به على العدو حتفه - والعزيمة الصارمة وهي كفاية، والنية الصادقة التي أعلى منازل الجنة لها نهاية.
فصل
كانت (بلاد الشام) بكمالها، (وبلاد الجزيرة وبلاد الروم إلى القسطنطينية) وتلك التخوم وسائر بلاد البحور (كجزيرة قبرس، ورودس، وجزيرة الأندلس، والجزيرة الخضراء) كلها مشحونة قبل الإسلام بالنصارى على اختلاف أجناسهم وأصنافهم ومذاهبهم من الملكية واليعقوبية والنسطورية، فلما جاء الإسلام على يدي (سيد الأنام) عليه أفضل الصلاة والسلام، فأدى الرسالة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده ومهد الله على يديه جزيرة العرب بكمالها وبلاد اليمن والبحرين وما قارب تلك النواحي وركب في (ثلاثين ألفًا) من أصحابه لدخول الشام، امتثالًا لقوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) ).
ولقوله تعالى: (( قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) ).
(فسار عليه السلام) حتى وصل إلى تبوك من أرض الشام ومن عزمه عليه السلام أن يقاتل هرقل الذي هو يومئذ قيصر الشام - أي ملكها - فوجد الزمان حرًا شديدًا مع ما قلة ما معهم من الزاد والظهر فرجع عامه ذلك، من هنالك، فحج عليه السلام حجة الوداع (سنة عشر من الهجرة) ثم عاد من مكة إلى المدينة فاختار له الله له ما عنده من المنزلة الرفيعة العالية التي هي أعلى منازل الجنة، والمسماة بالوسيلة.
وكانت وفاته صلى الله عليه وسلم (يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة) .