الصفحة 27 من 91

الثاني: أَشَارَ في الصِّحَاحِ إلى أنَّ الضمَّ لا يَأْتِي في المضاعفِ اللازمِ إلَّا لملاحظةِ التَّعْدِيَةِ كما نَبَّهْنَا على ذلكَ في الأمثلةِ الخمسةِ السابقةِ، وحينئذٍ يَنْبَغِي تَعْدِيَةُ المُسْتَثْنَى للمحكومِ عليهِ بالشذوذِ، فَفِي عَدِّ الناظمِ من اللازمِ لِنَحْوِ جَلَّ مِثْلِ جَلا، وَهَبَّت الريحُ، وَذَّرَت الشمسُ، وَسَحَّ المطرُ، وَخَشَّ عليهِ، وَغَلَّ؛ أي: دَخَل فيهما،

وَجَنَّ الليلُ، وَرَشَّ المُزْنُ، وَثَلَّ؛ أي: رَاثَ، وَكَمَّ النخلُ: إِشْكَالٌ، فإنَّهَا وَإِن اسْتُعْمِلَتْ في مثلِ هذا التركيبِ لازمةً أَصْلُهَا التَّعَدِّي منْ قولِهِم: جَلَّ البعيرُ يَجُلُّهُ، إذا الْتَقَطَهُ، وَكَأَنَّ القومَ عندَ جَلائِهِم الْتَقَطُوا أَمْتِعَتَهُم ثمَّ حَذَفُوا المفعولَ؛ لأنَّهُ فَضْلَةٌ، ومِنْ هَبَّهُ من النومِ، وَكَأَنَّ الريحَ هَبَّت الأشجارَ الساكنةَ؛ أيْ: حَرَّكَتْهَا،

ومنْ ذَرَّ المِلْحُ وَغَيْرُهُ، وَكَأَنَّ الشمسَ ذَرَّتْ شُعَاعَهَا، ومِنْ سَحَّت الماءُ، ومِنْ خَشَّ مَتَاعَهُ، وَغَلَّهُ؛ أيْ: أَخْفَاهُ وَأَدْخَلَهُ في شيءٍ، ومِنْ جَنَّهُ الليلُ: سَتَرَهُ، ومِنْ رَشَّ المكانَ؛ أي: بَلَّهُ، وَكَأَنَّ المُزْنَ رَشَّ الأرضَ، وَمِنْ ثَلَّ الترابَ؛ أَيْ: صَبَّهُ، وكأنَّ الحيوانَ ثَلَّ رَوَثْهُ،

وَمِنْ كَمَمْتُ الشيءَ؛ أيْ: سَتَرْتُهُ، وَكِمَامُ الطُّلْعَةِ الخُفُّ (بالضمِّ وعاءُ الطلعِ) الساتِرُ لها، فهذهِ العشرةُ أَصْلُهَا التَّعَدِّي، ثمَّ طَرَأَ عليها اللزومُ في إِسْنَادِهَا إلى هذهِ الأشياءِ، فَاسْتَصْحَبَ الضمَّ فيها، والعَجَبُ أنَّهُم عَدُّوهَا من اللازمِ، ولم يَعُدُّوا ذَبَّ عنهُ بالمعجمةِ يَذُبُّ، أي: دَفَعَ، وَنَصَّ لهُ على كذا يَنُصُّ؛ أي: عَيَّنَهُ لهُ وَأَظْهَرَهُ، وَغَضَّ منْ طَرْفِهِ يَغُضُّ، وكذا مِنْ صَوْتِهِ وَقَدْرِهِ، وَحَطَّ بالمكانِ يَحُطُّ؛ أيْ: نَزَلَ، وَخَطَّ بالقلمِ يَخُطُّ؛ أي: كَتَبَ، وَحَفَّ القومُ بهِ يَحُفُّونَ؛ أي: أَحْدَقُوا، وَصَفُّوا يَصُفُّونَ؛ أي: وَقَفُوا صُفُوفًا، وَعَقَّ عنْ ولدِهِ يَعُقُّ، وَحَلَّ بالمنزلِ يَحُلُّ، وَمَنَّ اللَّهُ عليهِ يَمُنُّ.

ولا شَكَّ أنَّ هذهِ العشرةَ مَشْهُورةُ الاستعمالِ مُتَدَاوَلَةٌ في مثلِ هذا الإسنادِ غيرُ مُعَدَّاةٍ فيهِ، وَقَدِ الْتَزَمُوا فيها الضمَّ، ولكنْ أَصْلُهَا التَّعَدِّي منْ قولِهِم: ذَبَّ عنهُ الذبابَ يَذُبُّهُ، وَنَصَّ الشيءَ أي: رَفَعَهُ، وَغَضَّ طَرْفَهُ، وَحَطَّ رَحْلَهُ، وَخَطَّ رِسَالَتَهُ، وَحَفَّهُ يَحُفُّهُ، وَمِنْهُ: {حَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} . وَصَفَّ قَدَمَيْهِ، وَعَقَّ العقيقةَ، وَحَلَّ المنزلَ؛ أي: نَزَلَهُ، ومَنَّ عليهِ النعمةَ، أيْ: عَدَّهَا وَذَكَرَهَا، ومنهُ: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ} .

فحينئذٍ فإمَّا أنْ تُلْحَقَ هذهِ العشرةُ أيضًا بما ذَكَرَهُ الناظمُ من اللازمِ المضمومِ، فَتُزَادُ على الثمانيةِ والعشرينَ، وعلى ما زِدْنَاهُ عليها، وإمَّا أنْ تَسْقُطَ العشرةُ التي انْتَقَدْنَا على الناظمِ عِدَادَهَا من اللازمِ، والمرجعُ في علومِ العربيةِ إلى النقلِ والاستقراءِ، والحافظُ حُجَّةٌ على مَنْ لم يَحْفَظْ.

وأمَّا الضربُ الثاني: وهوَ ما جاءَ فيهِ وَجْهَانِ منْ مضارعِ المضاعفِ اللازمِ فإليهِ أَشَارَ بقولِهِ:

وَعِ وَجْهَيْ صَدَّ أَثَّ وَخَرَّ ... الصَّلْدُ حَدَّتْ وَثَرَّتْ جَدَّ مَنْ عَمِلا

تَرَّتْ وَطَرَّتْ وَدَرَّتْ جَمَّ شَبَّ حِصَا ... نٌ عَنَّ فَحَّتْ وَشَذَّ شَحَّ / أيْ: بَخِلا

وَشَطَّت الدارُ نَسَّ الشيءُ حَرَّ نَهَارٌ

أيْ: واحْفَظ الوجهَيْنِ الجائِزَيْنِ في مضارعِ هذهِ الأفعالِ، وهيَ ثمانيةَ عَشَرَ فِعْلًا:

الأوَّلُ: صَدَّ عن الشيءِ يَصُدُّ وَيَصِدُّ؛ أيْ: أَعْرَضَ، وكذا صَدَّ منهُ، أيْ: ضَجَّ وَضَجِرَ، والكَسْرُ على القياسِ، والضمُّ على الشذوذِ، وبهما قُرِئَ: {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصُدُّونَ} . وَأَصْلُهُ صَدَّهُ عنْ كذا؛ أي: مَنَعَهُ يَصُدُّهُ بالضمِّ لا غيرُ؛ لأنَّهُ مُعَدًّى.

الثاني: أَثَّ بالمُثَلَّثَةِ، يُقَالُ: أَثَّ الشعرُ والنباتُ يَؤُثُّ وَيَئِثُّ؛ أيْ: كَثُرَ وَالْتَفَّ فهوَ أَثِيثٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت