الصفحة 44 من 351

«ذاتُ الله» سبحانه العَلِيَّة

إنَّ الإيمانَ بالله تبارك وتَعالى إنَّما يعني الإيمانَ بالذّات الجَليلة المقدَّسة الواجبة الوجود، وجودًا حقيقيًّا، (الذي ليس لها ابتداء، وليس لها انتهاءٌ على الآباد) ، والإيمان بصِفاته العُلا، وأسمائه الحسنى معًا، وعندما يقول المؤمن: آمنتُ بالله تعالى إنَّما يعني هذا الإيمان الشامل (الكامل) ، أي: الإيمان بِذات لا تشبهُ الذَّوات، مُتَّصِفة (بجميع) صِفات الكمال المُطلَق، التي لا تُعدّ، ولا تحدّ، ولا تُحصى، الذي لا يُشاركه فيها أحدٌ، فلا تشبه ذاتُه ذَواتَ خلقِه، ولا تشبه صِفاتُه صِفات خلقِه، بل لِصفاته [وذاتِه] حَقائق، ولِصفات خلقِه حقائق، وإلى هذا المعني يُشير رسول الهدى صلى الله عليه وسلم: «لا أحصي ثَناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسِك [1] » [2] .

فـ «ذات الله عز وجل موصوفة بالعلم (والحقيقة) ، غير مُدْرَكة بالإحاطة، ولا مرئية بالأبصار في الحياة الدُّنيوية، وهو موجودٌ بِحَقائق الإيمان على الإيقان، بلا إحاطة إدراك بها، بل هو أعلمُ سبحانه بِذاتِه، فهو موصوف غير مجهولٍ، وموجود غير مدرك، ومرئي غير مُحاط به، لِقربه كأنك تراه، يسمع ويَرى، وهو العليّ الأعلى، وعلى العرش استوى تبارك وتَعالى، ظاهرٌ في ملكه وقدرته، وقد حجب عن الخلق كُنْهَ ذاتِه العُلا، ودلَّهم عليه بآياته (الكبرى) ، فالقلوب تعرفه، والعقول لا تكيفه، وهو بكل شيءٍ مُحيط، وهو على كل شيءٍ قدير [3] .

فالله تبارك وتعالى لم يكلف أحدًا من عِباده معرفةَ كُنْهِ ذاته المُقدَّسة وكيفيتها، وقطع سبيلَ الوُصول إليها، حيث حجب جلَّ وعَلا علمَ كيفية ذاته عن العِباد، وحالَ بينهم وبين معرفة كُنهها، لأنه سبحانه وتعالى أكبر من أن يُحاطَ به علمًا، وأجلّ، وأعظم، ولأن القُوى البَشريَّة عاجزة عن تحمل عظمة ذلك [4] .

(1) مسلم (486) .

(2) «الصفات الإلهية في الكتاب والسنة» للدكتور محمد بن أسامة الجامي (69، 341) .

(3) «التوحيد ومعرفة أسماء الله عز وجلَّ وصفاته على الاتفاق والتفرد» ، تأليف الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسحاق الأصفهاني (260) . وانظر: «الحُجَّة في بيان المَحَجَّة» (1/ 171) .

(4) «الصواعق المُرسَلة» (4/ 427) ، و «مدارج السالكين» (3/ 353) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت