الصفحة 32 من 351

علمِه، أو في قدرته، وهكذا».

وأما سبب مَجيء صفات الإثبات بالتفصيل: لأنَّها هي الأصل، والمقصود الأعظم، فإنَّ المدحَ والثَّناء يكون غالِبًا في الإثبات، أما النَّفي فيأتي وسيلة وتتميمًا لهذا الأصل [1] .

* القاعدة السادسة: (القول في بعضِ الصفات كالقول في البعض الآخر) [2] :

هذه قاعدة عظيمة في تحقيق المفهوم الصحيح في الإيمان بالصِّفات كلِّها، وعدم التفريق بين بعضِها، لأنها جاءت من مِشكاةٍ واحدة من وَحْيَي الكتاب والسنة، فمن آمن بسمع الله تعالى، وبصره، ينبغي له أن يؤمن كذلك بعيني الله تعالى، ويديه، ومن آمن بإرادة الله، وقدرته، يلزمُه أن يؤمن بأصابع الله، وساقِه، ومن آمن بِحَياة الله وقَيُّومِيَّتِه، فعليه أن يؤمنَ كذلك باستواء الله على عرشِه، ونزوله إلى السماء الدنيا؛ وهكذا بقية الصفات، فإن الأدلة السنية لم تُفرِّق بين صفةٍ وأخرى، لأنَّ الموصوف بها واحد، ليس له مَثيل ولا شَبيه، فإن من الأصول التي جاءَت بها الشريعة المطهَّرة: وجوب التسوية بين المُتَماثِلات، وعدم التفريق بينها، وعلى هذا فينبغي للعبدِ أن لا يستوحِش صفةً جاءت في الكتاب والسنة، أو جاءت في السنة دون الكتاب، أو في الكتاب دون السنة، فمن وقع في نفسِه شيءٌ من ذلك، عليه أن يستعيذَ بالله تعالى من سوء الظَّنِّ والخيال الباطِل.

يقول ابن القيم رحمه الله: «الصفة الثابتة لله تعالى مُضافة إليه، لا يتوهم فيها شيء من خَصائص المخلوقين، لا في لفظِها، ولا في ثُبوت معناها، وكل من نَفى عن الرَّبِّ صفةً من صِفاته لهذا الخيال الباطل: لزمَه نفيُ جميعِ صفات كَماله، لأنه لا يعقل منها إلا صفة المخلوق، بل ويلزمه نفيُ ذاته، لأنه لا يعقل من الذَّوات إلا الذَّوات المخلوقة، ومعلوم أنَّ الرَّبَّ سبحانه وتعالى لا يشبهه شيء منها» [3] ، إلا في المُسَمَّيات عند الإطلاق، وأما عند الإضافَة فتخص كل واحد بما يليقُ به.

وما أحسن ما قاله الإمام الشنقيطي في تفسير قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] : «إنَّ السمعَ والبصر من حيثُ هما سمع وبصر، يتصفُ بهما

(1) انظر: «شرح الواسطية» لابن السعدي (1/ 257) ، و «توضيح الكافية» له (116) .

(2) «التدمرية» (15) .

(3) «جلاء الأفهام» (275) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت