يقول ابن القيم رحمه الله: «مَنْ شرحَ الله له صدرَه، ونَوَّر له قلبَه: يعلم أنَّ دلالتها (أي: نصوص الصفات) على معانيها أظهر من دلالة كثيرٍ من آيات الأحكام على مَعانيها، ولِهذا آيات الأحكام لا يَكاد يفهم مَعانيها إلّا الخاصة من النّاس، وأما آيات الأسماء والصِّفات فيشتركُ في فَهْمِها الخاصّ والعام، أعني: فهم أصل المعنى لا فهم الكُنْه والكيفِيَّة» [1] ، ثم ذَكَر رحمه الله إشكال بعض الصحابة في بعض آيات الأحكام، ولم يثبت عن أحدٍ منهم استشكل مسألة من مسائل الصِّفات.
وما ذاك إلّا لِعِظَم شأنها، وعُلو منزلتِها، فلا يستغني عنها أحدٌ كائنًا من كان، في القِيام بحُسن العبودية لله سبحانه على الدوام.
ومعنى (باعتبار الكيفية مجهولة) : الكيفية من الكيف، وهو السؤال عن الهَيئة والصُّورة، وطلب حقيقة الشيء وكُنْهه، وهذا في حَقِّ رَبِّنا العظيم مُحالٌ، لأن العلم بكيفية الصفة فرع على العلم بكيفية الموصوف، لأنَّ الشيء لا تدرك كيفيته إلّا بِمُشاهدته، أو بِمُشاهدة مثيله، أو بالخبر الصادق عنه، وكل هذه الطرق مُنْتَفِيَة في كيفية صِفات الله تعالى، فتكون الكيفية مجهولة بالنسبة لنا لا نعلمُها [2] .
قال الأصبهاني رحمه الله: الكلامُ في الصِّفات فرعٌ على الكلام في الذّات، وإثباتُ الذّات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثباتُ صِفاته ... » [3] .
* مسألة مُهِمَّة:
كونُنا لا نعلم كيفية صِفات رَبِّنا سبحانه، هذا لا يعني أنَّها ليس لها كيفية، بل لها كيفية اختص بعلمِها جل جلاله، ولهذا يجب أن يُعْلَمَ أنَّ لِصِفات رَبِّنا الجَليل كيفية تَليق به، وقد قطع الأطماع عنا في معرفتها، كما جاء عن السَّلَف في قولهم: «أَمِرُّوها كما جاءَت بِلا كَيْفٍ» [4] .
(1) «الصواعق المرسلة» (1/ 210) .
(2) «مجموع الفتاوى» (6/ 399) .
(3) «الحجة في بيان المحجة» (1/ 189) .
(4) انظر هذه الرِّوايات عن الأئمة الأعلام في: «الشريعة» للآجري (720) ، والدارقطني في كتابه «الصفات» (67) ، و «الأسماء والصفات» للبيهقي (865) ، و «العُلُو» للذهبي (384) .