الصفحة 29 من 351

الشارع، وعدم الخُروج عن مُرادِه، والحقيقة في الاصطلاح: هي كلُّ لفظ بقي على موضعه، ولم ينتقل إلى غيرِه، وقسيمُها المَجاز، وهو استعمال الكلمة في غيرِ ما وُضِعَتْ له، لِعلاقة بينهما، مع قرينة صارِفة عن المعنى الحَقيقي [1] .

فالمقصود بالحَقيقة هُنا: هو المعنى المُتَبادِر إلى الذِّهن من ظاهر اللفظ في أصل معناه؛ أي: إثبات الصفة على الحقيقة كما جاءت في النَّصّ الشرعي، دون تأويلٍ ولا تحريف، ولا تمثيل، ولا تعطيل، لأنَّ هذا هو الأصل في الكلام، أنه يحمل على الحقيقة، وبهذا جاء القرآن، وسنة خير الأنام صلى الله عليه وسلم، قال ابن عبد البر رحمه الله: «وحَملُ كلام الله تعالى، وكلام نبيِّه صلى الله عليه وسلم على الحقيقة أولى بِذَوي الدِّين والحَقِّ، لأنه يقصُّ الحق، وقوله الحق ... » [2] .

وعلى هذا فنقول: الله مُتَّصِف بالحياة على الحَقيقة [3] ، والسمع على الحَقيقة، واليدين على الحقيقة، والعينين على الحقيقة.

* القاعدة الرابعة: (الصِّفاتُ معلومةٌ لَنا باعتبار، مجهولة لنا باعتبار آخر، باعتبار المعنى: معلومة، وباعتبار الكيفِيَّة: مجهولة) [4] .

هذه القاعدة هي الأسّ والأصل الأعظم، في فهم أجلِّ علم، فهي سفينة النَّجاة إلى سلوك طريق الهدى، كما اقْتَفاهُ الرَّعيلُ الأول، ومعنى قوله: (الصفات معلومة باعتبار المعنى) ؛ أي: أن معانيها مفهومة في أصل المعنى اللُّغَوي، لأنَّ رَبَّنا سبحانه خاطبَنا باللسان العربي المُبين، في كتابه الحكيم، وأمَرَنا بتدبُّرِه وتَعَقُّلِه واتِّباعه، ومن رحمة الله تعالى علينا أن جعلَ نُصوص الصفات في غاية الإحكام، يفهمُها كلُّ الأنام، فلا تشكل على أحد منهم على مَرِّ الزَّمان، بِخلاف آيات الأحكام، قد تشكل على بعض الناس، فلا يفهمها إلّا الأعلام.

(1) «قواعد الترجيح» (2/ 388) .

(2) «التمهيد» (5/ 16) ، وانظر أقوال أهل العلم في التنصيص على هذه القاعدة في: «قواعد الترجيح» (2/ 392 ـ 395) .

(3) سيأتي في القاعدة (التاسعة) سبب ذِكْر السلف لِهذه الكلمة في إثبات الصفات ص (27، 29) .

(4) انظر هذه القاعدة في: «مجموع الفتاوى» (3/ 207) ، و «درء تعارض العقل والنقل» (3/ 167) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (1/ 132) ، و «الصواعق المرسلة» (1/ 210) ، و «القواعد المثلى» (173) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت