هذه القاعدة من القواعد المُسَلَّمَة المستقرَّة في الفطر السَّليمة، «أن الكمال ثابت لله تعالى، بل الثّابت له: هو أقصى ما يكون من الأكمليَّة، بحيث لا يكون وجود كَمال لا نقصَ فيه إلّا وهو ثابت للرَّبِّ تعالى، يستحقُّه بنفسه المقدَّسَة» [1] .
فما مِن كمال تفرضه الأذهانُ، ويُقدِّره المُقدِّرون، إلّا والله تعالى أعظم من ذلك، فهو سبحانه لم يبق صفة كَمال إلّا اتَّصف بها، ووصف بِغايتها، بحث لا تُحيط الخَلائق ببعض تلك الصفات بِقلوبهم، ولا تعبر عنها بِألسنتِهم، بل لو اجتمعَ كلُّ الخليقة إنسهم وجِنّهم، من أولهم وآخرهم، على أنْ يُحيطوا بصفة واحدة من صِفاته، لم يكن لهم قدرة، ولا وسع على الإحاطة بها، فكيف بها كلّها؟ [2] .
* القاعدة الثانية: (صفات الله تَعالى توقيفية) .
صفات الله تعالى بكل أنواعِها وأقسامِها توقيفية؛ أي: أنَّ مرجعَ إثباتها هو الكتاب والسنة، فلا تُؤْخَذ بالاجتِهاد ولا بِالقِياس، لأنَّ صفات رَبِّنا سبحانه من الغَيْب، بل هو أعظم الغَيب، وقد استأثر الله تعالى الغيبَ عنده وحدَه، وعلى هذا فلا تُعلَم ولا تثبتُ إلّا عن طريق وَحْيِه.
قال إمام أهل السُّنَّة أحمد بن حنبل رحمه الله: «نعبدُ اللهَ بصِفاته كما وصف به نفسَه، قد أجمل الصفةَ لِنفسه، ولا نتعدَّى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه كما وصف نفسَه، ولا نتعدَّى ذلك» [3] .
ضابط مهم: وهو: «أنَّ كلُّ ما رُوِيَ موقوفًا عن الصحابة في بابِ الصِّفات فحكمُه حكمُ المرفوع» .
لأن الصحابة رضوان الله عليهم كلُّهم عُدول، وعلى هذا: فكلُّ ما نقل عنهم في باب الغَيْبِيّات، وبالأخصِّ في الصِّفات، فهو في حُكْمِ الرَّفع؛ أي: أنه من قول النبي صلى الله عليه
(1) انظر: «الرسالة الأكملية» لابن تيمية (6/ 71) ضمن رسائل مودعة في مجموع فتاوى شيخ الإسلام.
(2) انظر: «بدائع الفوائد» (1/ 63) ، و «تفسير السعدي» (335) ، و «فتح الرحيم الملك» (23) .
(3) أخرجه ابن بطة في الإبانة (3/ 326) ، وانظر: كلام الآجري في «الشريعة» (291) ، وابن قدامه في «ذَمِّ التأويل» (10) ، والخطابي في «شأن الدعاء» (111) ، وابن عبد البر في «التمهيد» (7/ 463) .