وأجاب الحافظ بن مسعود الدمشقي عن هذا الإلزام بقوله: (( وأما حديث أبي الزبير عن جابر، فلا أعلم ترك حديثًا واحدًا من رواية الإثبات ابن جريح وغيره إلا أخرجه حديثًا معلولًا، أو حديثًا أخرجه من طريق أخرى من غير حديث جابر، فاستغنى عنه [1]
فالإمام الدارقطني، وأبو الدمشقي لم يريا أبا الزبير مدلسًا ولم يشيرا إلى ذلك لا من قريب ولا من بعيد، بل اعتبرا هذا الإسناد صحيحًا لا شك فيه.
وكذا الدارقطني لم يذكره في مصنفه في المدلسين [2] فأنه يخالف النسائي في دعوى التدليس.
الأمر الخامس: أني لم أر أحدًا رماه بالمدلسين ممن تلقى عنه العلم أو ممن بعدهم، والإمام ابن حجر لم يجد أقدم من النسائي وصف أبا الزبير بالتدليس، فلدا ذكره، ولو علم من السابقين من وصفه بذلك لبين.
قال النسائي: ذكر المدلسين: الحجاج ابن أرطأة والحسنة وقتادة وحميد ويونس بن عبيد وأبو الزبير .. الخ
هكذا ذكرها النسائي في أسماء متعاقبة، فلم يذكر دليله على تدليس كل راو [3]
وهذه شعبة الحجاج-أمير المؤمنين في الحديث-الذي كان يكره التدليس بصورة كبيرة، قد تكون نادرة، حتى أنه ليقول: التدليس في الحديث أشد من الزنا، ولئن أسقط من السماء أحب إلي من أدلس.
وغير ذلك من العبارات التي نقلها عنه علماء والتعديل [4] وقد لزم شعبة أبا الزبير حتى تلقى منه أربعمائة حديث ولم يسمه بهذه السمة التي كان يبغضها وينفر منها، ولا أشار من قريب أو بعيد عن تدليس أبي الزبير اللهم إلا قوله العام: (( ما رأيت أحدًا من أصحاب الحديث لا يدلس إلا عمير بن مرة، وابن عون ) ) [5]
فلو كان يشم من أبي الزبير رائحة التدليس لما سكت عن ذلك، بل لرفع عقيرته يقول (( أبو الزبير مدلس ) )وأوضح ذلك وشهره على رؤوس الأشهاد كما فعل بشيخه (قتادة) وتكفيه هذه العلة لعدم الرواية عنه، ولما تعلل بكونه لا يحسن يصلي أو أنه وزن واسترجع أو أنه شرطي .. إلى ما هنالك.
ومن المعلوم عن شعبة أنه لا يقبل عن الرجل الحديث حتى يقول: سمعت، وقد قال: (( كل كلام ليس فيه سمعت فهو خل وبقل ) ):
وقال: ما سمعت من رجل حديثًا حتى قال للذي فوقه سمعت منه، ولم ينج تدقيقه أحد من شيوخه حتى عمرو بن دينار حيث سمع منه حديثًا، فقال له: أنت سمعت من جابر؟ قال: لا [6]
(1) قلت، وكلام الدمشقي غير مسلم بل هناك أحاديث صحيحة رواها أبو الزبير ورواها عنه الثقات ولم يخرجها مسلم في صحيحه، وإنما يجاب بأن مسلمًا لم يلتزم بإخراج كل صحيح مكتفيًا بما أخرجه منة الصحيح.
وكلامه من جواب الحافظ أبي مسعود الدمشقي على الدارقطني (ل 11) (نقله في تنبيه مسلم /22.
(2) طبقات المدلسين للدارقطني /45.
(3) ميزان الاعتدال 1/ 460/.
(4) انظر مقدمة الجرح والتعديل /173/ والكامل لابن عدي 1/ 47/ والحلية لابن نعيم 7/ 153/ وتدريب الراوي 1/ 228 - 229/.
(5) سير أعلام النبلاء 5/ 197/ وفي مسند ابن الجعد رقم (50) /24/.
(6) انظر منحة المعبود 1/ 312/